البغدادي

329

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

فإنّك كلب قد ضريت بما ترى * سميع بما فوق الفراش بصير إذا عثّنت من آخر اللّيل دخنة * يبيت له فوق الفراش هرير فلما بلغهم الشعر وأنه رمى أمّهم بالكلب ، استعدوا عليه عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه ، وكان يحبس على الهجاء ، فأرسل إليه ، فأنشده الشعر . فقال له عثمان رضي اللّه عنه : ما أعرف في العرب أفحش ، ولا ألأم منك ، فإنّي ما رأيت أحدا رمى أحدا بكلب غيرك ، وإنّي لأظنّك لو كنت في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لنزل فيك وحي ، فحبسه في السّجن ، فقال في الحبس أبياتا منها « 1 » : ( الطويل ) ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّي وقيّار بها لغريب وسيأتي إن شاء اللّه مع الأبيات في إنّ المشددة . فلمّا سمعها أخرجه من الحبس ، فأخذ سكّينا فجعلها في أسفل نعله ليفتك بعثمان ، فأعلم بذلك فضربه ، وردّه إلى الحبس إلى أن مات فيه . وفي ذلك قال الأبيات التي منها : هممت ولم أفعل وكدت وليتني * . . . البيت ولم يزل في الحبس حتّى أصابته الدّبيلة « 2 » فأنتن ، فمات في الحبس . ولمّا قتل عثمان جاء عمير بن ضابئ فرفسه برجله ، فكسر ضلعين من أضلاعه ، وقال : حبست أبي حتى مات ! ولمّا كان زمن الحجّاج ، واستعرض أهل الكوفة ليوجّههم إلى المهلّب ، عرض عليه فيهم عمير بن ضابئ ، وهو شيخ كبير يرعش كبرا ، فقال : أيّها الأمير ، إنّي من الضّعف على ما ترى ، ولي ابن أقوى على الأسفار منّي ، أفتقبله بديلا ؟ قال : نعم . فلما ولّى قال قائل « 3 » : أتدري من هذا أيها الأمير ؟ قال : لا ، قال : هذا عمير بن

--> ( 1 ) هو الإنشاد الواحد والعشرون بعد السبعمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي . والبيت لضابئ في الأصمعيات ص 184 ؛ والشعر والشعراء 1 / 268 ؛ وشرح أبيات المغني 7 / 43 ؛ والكامل في اللغة 1 / 188 ؛ واللسان ( قير ) ؛ والنقائض 220 ؛ ونوادر أبي زيد ص 20 . ( 2 ) الدبيلة - بالتصغير - : دار يجتمع في الجوف ، وهو خراج ودمل كبير ، تقتل صاحبها غالبا . ( 3 ) في طبقات فحول الشعراء ص 176 : " فقال له عنبسة بن سعيد بن العاص : أيها الأمير . هذا عمير ، صاحب -