البغدادي

217

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقد يجوز أن يقال : بدا له أن يفعل كذا ، ويكون معناه أراد . وهذا من المجاز الذي لا سبيل إلى إطلاقه إلّا بإذن من صاحب الشرع . وقد صحّ في ذلك ما خرّجه البخاري في حديث الثلاثة : الأعمى ، والأقرع ، والأبرص « 1 » ، وأنه عليه السلام ، قال : « بدا للّه أن يبتليهم » . فبدا هاهنا بمعنى : أراد . وابن أعين ومن اتّبعه يجيزون البداء على اللّه « 2 » ، ويجعلونه ، والنّسخ شيئا واحدا . واليهود لا تجيز النسخ ، يحسبونه بداء . ومنهم من أجاز البداء . وروى الأصبهاني في « الأغاني » « 3 » أنّ رجلا وعد محمّد بن بشير الخارجيّ بقلوص ، وهي الناقة الشابّة ، ومطله ، فقاله فيه يذمّه ، ويمدح زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب « 4 » : ( الطويل ) لعلّك والموعود حقّ لقاؤه * بدا لك في تلك القلوص بداء فإنّ الذي ألقى إذا قال قائل * من النّاس : هل أحسستها لعناء أقول الذي يبدي الشّمات وإنّها * عليّ وإشمات العدوّ سواء دعوت وقد أخلفتني الوعد دعوة * بزيد فلم يضلل هناك دعاء

--> ( 1 ) الحديث وتخريجه في الألف المختارة من صحيح البخاري ، والحديث تحت رقم 465 . ( 2 ) في حاشية طبعة هارون 9 / 214 - 215 : " الذي في الروض : وذكرنا الرافضة لأن ابن أعين ومن تبعه منهم يجيزون البداء على الله . وابن أعين هذا هو زرارة بن أعين الكوفي ، مولى بني أسعد بن همام ، وكان رئيس الشميطية أتباع أحمر بن شميط . انظر الحيوان 2 : 268 / 7 : 122 . وكان أحمر بن شميط من أمراء المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان يقول بالبداء . وعندما انهزم أصحاب المختار ، وقتل أميرهم أحمر بن شميط رجع فلولهم إلى المختار ، وقالوا له : ألم تعدنا بالنصر على عدونا ؟ فقال : إن الله تعالى كان قد وعدني ذلك لكنه بدا له . الفرق بين الفرق 36 . فالقول بالبداء عند هؤلاء الإمامية انتقل من المختار إلى أتباعه وأتباع أتباعه ، وفي جمهرة ابن حزم 59 أن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسين ، وهو الملقب بالأفطح ، كانت له شيعة تدعي إمامته ، منهم زرارة بن أعين الكوفي ، محدث ضعيف ، فقدم زرارة المدينة فلقي عبد الله فسأله عن مسائل من الفقه فألفاه في غاية الجهل ، فرجع عن إمامته ، فلما انصرف إلى الكوفة أتاه أصحابه فسألوه عن إمامه وإمامهم ، وكان المصحف بين يديه ، فأشار لهم إليه وقال لهم : هذا إمامي ، لا إمام لي غيره " . ( 3 ) الأغاني 16 / 123 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 6 / 194 . ( 4 ) الأبيات لمحمد بن بشير الخارجي في ديوانه ص 29 ؛ والأغاني 16 / 123 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 6 / 194 .