البغدادي
63
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
أتته حرقة بنت النّعمان بن المنذر ، في جوار كلّهن مثل زيّها ، يطلبن صلته . فلمّا وقفن بين يديه ، قال : أيّتكنّ حرقة ؟ قلن : هذه . قال لها : أنت حرقة ؟ قالت : نعم ، فما تكرارك استفهامي « 1 » ؟ إنّ الدنيا دار زوال ، وإنها لا تدوم على حال ، إنّا كنا ملوك هذا المصر قبلك ، يجبى إلينا خراجه « 2 » ، ويطيعنا أهله زمان الدّولة ، فلما أدبر الأمر وانقضى ، صاح بنا صائح الدهر فصدع عصانا ، وشتّت ملأنا . وكذلك الدهر يا سعد ، إنه ليس من قوم بسرور وحبرة إلّا والدهر معقبهم حسرة ! ثم أنشأت تقول : فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا * . . . . . . . . . . . . . البيتين فقال سعد : قاتل اللّه عديّ بن زيد ، كأنه ينظر إليها « 3 » حيث يقول « 4 » : إنّ للدّهر صولة فأحذرنها * لا تبيتنّ قد أمنت السّرورا قد يبيت الفتى معافى فيرزا * ولقد كان آمنا مسرورا وأكرمها سعد وأحسن جائزتها ، فلما أرادت فراقه ، قالت له : حتّى أحيّيك بتحية أملاكنا بعضهم بعضا : لا جعل اللّه لك إلى لئيم حاجة ، ولا زال الكريم عندك حاجة ، ولا نزع من عبد صالح نعمة إلّا جعلك سببا لردّها عليه ! فلما خرجت من عنده تلقّاها نساء المصر ، فقلن لها : ما صنع بك الأمير ؟ قالت « 5 » : ( الخفيف ) حاط لي ذمّتي وأكرم وجهي * إنّما يكرم الكريم الكريم انتهى نقله من شرح أبيات المغني للسيوطي « 6 » . ونسب ابن الشجري في « أماليه » هذين البيتين إلى هند بنت النعمان بن المنذر .
--> ( 1 ) أرادت معنى سؤاله عنها مرتين . ( 2 ) في النسخة الشنقيطية : " يجيء إلينا خراجه " . ( 3 ) في شرح شواهد المغني ص 246 : " كأنه كان ينظر إليها " . ( 4 ) البيتان لعدي بن زيد العبادي في ديوانه ص 64 ، من قصيدة قالها في سجنه ، يذكر فيها النعمان بأنه سجين . ( 5 ) ورد هذا البيت في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية منثورا . وهو من بحر الخفيف . ولقد أشار محقق طبعة هارون لذلك في حاشيته 7 / 69 . ( 6 ) شرح شواهد المغني للسيوطي ص 246 - 247 .