البغدادي
434
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
ولم يذكر أحد رواية الجيم من اجتملت الشحم ، إذا أذبته ، وكذا جملته أجمله جملا ، وربما قالوا : أجملته ، حكاه أبو عبيد . ورأيت في بعض الحواشي أنّه روي : « أحتمل » بالحاء المهملة من الاحتمال ، وما أظنّه صحيحا . وزعم بعض فضلاء العجم في « أبيات المفصل » أن الرواية « احتول » ولم يذكر غيرها . وقال : أحتول من الحيلة ، وأصلها حولة قلبت الواو ياء كما في ميزان . وكان الوجه أحتال ، إلّا أنه جاء على الأصل المرفوض . هذا كلامه ولم أرها لغيره . وقوله : « إذ لا أكاد » ، « إذ » ظرف لنالني . و « الإقتار » : مصدر أقتر . قال في الصحاح : « وأقتر الرجل : افتقر » . و « من » متعلقة بالنفي ، وقال العيني : و « من » متعلقة بأجتمل . وسيجئ ردّه . وزعم ابن برهان أنّ قوله من الإقتار مفعول له يعمل فيه أحتمل . قال ابن الحاجب في « أماليه » : لا يصحّ هذا ، لفساد المعنى ؛ إذ الاحتمال لم يكن من أجل إقتار فيخصّصه بالنفي ، وإنما يصحّ أن يكون معلّلا بمثل ذلك ثم ينفيه مخصصا له ، كقولك : ما جئتك طمعا في برّك ؛ فإنّ المجيء قد يكون طمعا في البرّ ، فينفى المجيء المقيّد بعلّة الطمع ، ولذلك لا يلزم منه نفي المجيء لغير ذلك ، لأنه لا يتعرّض له ، بل قد يفهم منه إثبات مجيء لغير ذلك عند من يقول بالمفهوم . أما لو قال : ما كلّفتك بشيء للتخفيف عليك ، فلا يستقيم أن يكون تعليلا لكلفتك ، فإنه لا يصح أن يكون التخفيف « 1 » علة للتكليف ، وإنما علّل به نفي التكليف من أجل غرض التخفيف . وسرّ ذلك هو أنه إذا تعلق الفعل بشيء فلابدّ أن يعقل مثبتا في نفسه ثم يتعلق النفي به . وإذا تعلّق النّفي به انتفى المقيّد بما تعلق ، ولا ينتفي مطلقا ، إذ لم ينفه إلّا مقيّدا . ومن أجل ذلك امتنع تعلّق « من الإقتار » بأحتمل . ويمنع أيضا تعلقه بأكاد ، إذ لا يتصوّر تعليل مقاربة الاحتمال بالإقتار ؛ لأنه عكس المعنى على ما تقدم في أحتمل ، فوجب أن يكون متعلقا بالنفي ، إذ هو المسبّب في المعنى ، لأنّ المعنى انتفت مقاربة الاحتمال ، من أجل الإقتار .
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " للتخفيف " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية .