البغدادي
396
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وروى غير القالي : « ولا تبلى » بضم التاء من الابتلاء ، وهو الاختبار ، أي : لا يختبر ما عندهم من النّجدة والبأس ، وإن طال أمد الحرب ، لكثرة ما عندهم من ذلك . ويجوز على هذه الرواية « صلوا بالحرب إلّا بعد حين » . وقوله : « هم منعوا حمى » إلخ ، « الحمى » : موضع الماء والكلأ . و « الوقبى » ، بفتح الواو والقاف : موضع بقرب البصرة . وكان حديثه أنّ عبد اللّه ابن عامر كان عاملا لعثمان بالبصرة وأعمالها ، واستعمل بشر بن حارث بن كهف المازنيّ على الأحماء التي منها الوقبى ، فحفر بها ركيّتين : ذات القصر ، والجوفاء « 1 » ، فانتزعهما منه عبد اللّه بن عامر ، ووقعت الحرب بينهم بسبب ذلك ، وعاد الماء في آخر حروب ومغاورات إلى بني مازن . كذا قال شراح الحماسة . وقال أبو عبيدة : كانت الوقبى لبكر على إياد الدّهر ، فغلبهم عليها بنو مازن بعون عبد اللّه بن عامر صاحب البصرة لهم ، فهي بأيدي بني مازن اليوم . وكان بين بني شيبان ، وبين مازن حرب فيها ، وتعرف بيوم الوقبى ، قتل فيها جماعة من بني شيبان . انتهى . يقول : إنّ هؤلاء القوم هم الذين يمنعون حمى هذا المكان ، بضرب يجمع بين المنايا المتفرّقة . وهذا يحتمل وجوها : يجوز أن يكون أنّ هؤلاء ، لو بقوا في أماكنهم ، ولم يجتمعوا في هذه المعركة لوقعت مناياهم متفرّقة في أمكنة متغايرة ، وأزمنة متفاوتة ، فلما اجتمعوا تحت الضرب الذي وصفه صار الضرب جامعا لهم . ويجوز أن يكون المعنى أنّ أسباب الموت مختلفة ، وهذا الضرب جمع بين الأسباب كلّها . وحكي عن أبي سعيد الضّرير ، أنّ المعنى أن الضرب إذا وقع ألّف بين أقدارهم التي قدّرت عليهم . ويجوز أن يكون المراد : بضرب لا ينفّس المضروب ولا يمهله ، لأنه جمع فرق الموت له . وقوله : « فنكّب عنهم » إلخ ، الدرء أصله الدفع ، ثم استعمل في الخلاف ؛ لأنّ المختلفين يتدافعان . يقول : هذا الضرب نكّب عن هؤلاء القوم اعوجاج الأعادي وخلافهم ، وداووا الشّرّ بالشّرّ .
--> ( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " الحوفاء " بالمهملة ، وهو تصحيف صوابه من شرح الحماسة للتبريزي 1 / 18 ؛ ومعجم البلدان ( الوقبى ) .