البغدادي
35
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقالوا : قد جننت فقلت : كلّا * وربّي ما جننت ولا انتشيت ولكنّي ظلمت فكدت أبكي * من الظّلم المبيّن أو بكيت فإنّ الماء ماء أبي وجدّي * وبئري ذو حفرت وذو طويت وقبلك ربّ خصم قد تمالوا * عليّ فما هلعت ولا دعوت ولكنّي نصبت لهم جبيني * وألّة فارس حتّى قريت قال أمين الدين الطّبرسيّ في « شرح الحماسة » : قد عيب على أبي تمّام إيراده مثل هذه الأبيات في باب الحماسة ، والبكاء على الظلم ضعف وعجز ، والوجه فيه أنّ بكاءه كان لمطالبتهم ما ليس لهم ، ولا سبيل له على الاعتساف « 1 » . والمغالبة فعل أهل الجاهليّة ، إذ لا يراقب دين ، ولا يرهب سلطان ، ويدلّ على ذلك ما ذكره ابن دريد في سببه : أنه اختصم حيّان من العرب إلى عبد الرحمن بن الضحّاك وهو والي المدينة ، في ماء من مياههم ، وعبد الرحمن مصاهر لأحد الحيّين ، فبرك شيخ بين يديه من الحيّ الآخر وقال : أصلح اللّه الأمير ، أنا الذي أقول : ( الوافر ) إلى الرّحمن ثمّ إلى أميري * تعسّفت المفاوز واشتكيت رجالا طالبوني ثمّ لجّوا * ولو أنّي ظلمتهم انتهيت رجوا في صهرهم أن يغلبوني * وبالرّحمن صدّق ما ادّعيت وقالوا قد جننت فقلت كلّا * . . . . . . . . الأبيات الخمسة وبعدها : فأنصفني هداك اللّه منهم * ولو كان الغلبّة لاكتفيت وقال الخطيب التبريزيّ في « شرحه » « 2 » : وهذا ماء لبني أمّ الكهف ، من جرم طيّئ ، ولبني هرم بن العشراء من فزارة ، اختصم فيه الحيّان وهم مختلطون مجاورون « 3 » .
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " الاعتناف " . وهي رواية صحيحة ولقد أثبتنا رواية النسخة الشنقيطية . الاعتناف : الأخذ بالعنف . والاعتساف : الظلم . ( 2 ) شرح الحماسة للتبريزي : 2 / 73 . ( 3 ) كذا في طبعة بولاق وشرح الحماسة للتبريزي . وفي النسخة الشنقيطية : " متجاورون " .