البغدادي
306
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فجعلها نقيض برّة ، وبرة صفة ، كأنه قال : حملت الخصلة البرّة ، وحملت الخصلة الفاجرة ، كما تقول : الخصلة القبيحة والحسنة ، فهما صفتان . اه . وهذا الذي حكاه هو مذهب السيرافيّ ، كما نقله الشارح عنه . وزاد ابن جني في الطّنبور نغمة ، فزعم أن فجار معدولة عن فجرة علما بدون أل ، قال في باب التفسير على المعنى دون اللفظ من « كتاب الخصائص » : اعلم أنّ هذا موضع قد أتعب كثيرا من الناس واستهواهم ، ودعاهم من سوء الرأي ، وفساد الاعتقاد إلى ما مذلوا به ، وتتايعوا فيه « 1 » حتى إن أكثر ما ترى من هذه الآراء المختلفة والأقوال المستشنعة ، إنما دعا إليها القائلين بها تعلّقهم بظواهر هذه الأماكن دون أن يبحثوا عن سرّ معانيها ومعاقد أغراضها . فمن ذلك قول سيبويه في بيت النابغة : إن « فجار » معدولة عن الفجرة ، وإنما غرضه أنها معدولة عن فجرة علما معرفة ، على ذا يدلّ هذا الموضع « 2 » . ويقوّيه ورود برّة معه في البيت ، وهي كما ترى علم ، لكنّه فسّر « 3 » على المعنى دون اللفظ . وسوّغه أنه لما أراد تعريف الكلمة المعدولة عنها مثّل ذلك بما يعرّف « 4 » باللام ، لأنه لفظ معتاد ، وترك لفظ فجرة لأنه لا يعتاد ذلك علما ، وإنما يعتاد نكرة من جنسها ، نحو : فجرت فجرة ، كقولك : تجرت تجرة . ولو عدلت برّة على هذا الحد ، لوجب أن يقال : برار كفجار . اه . وقد أخذ الشاطبي هذا الكلام فزاده تنويرا في « شرح الألفية » عند قول ناظمها : ( الرجز ) ومثله برّة للمبرّه * كذا فجار علم للفجره
--> ( 1 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " ما بذلوا به " . وهو تصحيف صوابه من الخصائص 3 / 261 . وفي طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " وتتابعوا فيه " . وهو تصحيف صوابه من الخصائص . مذلوا به ، أي ضجروا وقلقوا . وتتايعوا - بالياء - : أي تساقطوا وتهافتوا . ( 2 ) في الخصائص 3 / 261 : " هذا الموضع من الكتاب " . ( 3 ) في الخصائص : " لكنه فسره " . ( 4 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " فإنما يعرف " . وفي الخصائص : " بما تعرّف " . ولقد أثبتنا تصحيح طبعة هارون 6 / 331 .