البغدادي

43

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وهذا ساقط عمن لا يعلم بعدهم ، وساقط عمن يعلم ، لأنّهم يقتدى بهم ، فهذا مما لا ينبغي أن ينسب إليهم . والقرآن محكم لا لحن فيه حتّى « 1 » يتكلّم العرب بأجود منه في الإعراب . ولسيبويه والخليل وجميع النحويّين في هذا باب يسمّونه باب المدح ، قد بيّنوا صحّة هذا وجودته . قال النّحويون : إذا قلت مررت بزيد الكريم ، وأنت تريد أن تخلّص زيدا من غيره فالخفض هو الكلام ، حتّى تعرف زيدا الكريم من زيد غير الكريم . وإذا أردت المدح والثّناء فإن شئت نصبت وإن شئت رفعت ، وجاءني قومك المطعمين في المحلّ والمغيثون في الشدائد ، على معنى أذكر المطعمين وهم المغيثون . وعلى هذا الآية ؛ لأنّه لما قال : بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك علم أنهم يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ، فقال : والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة ، على معنى أذكر المقيمين وهم المؤتون . وأنشدوا بيت خرنق بنت هفّان : * لا يبعدن قومي الذين هم * ( البيتين ) على معنى أذكر النازلين وهم الطيّبون ، رفعه ونصبه على المدح . وبعضهم يرفع النازلين وينصب الطيبين ، وكلّه واحد جائز حسن . انتهى . وقال ابن جنّي في « المحتسب » : القطع لكونه بتقدير الجملة أبلغ من الاتباع لكونه مفردا . قال في سورة فاطر : قرأ الضحّاك « 2 » : « الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ » . وهذا على الثّناء على اللّه سبحانه وذكر النّعمة التي استحقّ بها الحمد . وأفرد ذلك في الجملة التي هي جعل بما فيها من الضمير ، فكان أذهب في معنى الثّناء ، لأنّه جملة بعد جملة ، وكلّما زاد الإسهاب في الثناء أو الذم كان أبلغ « 3 » .

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " بشيء " . وهو تصحيف صوابه من النسخة الشنقيطية ، وبها أثر تصحيح . ( 2 ) سورة فاطر : 35 / 1 . وهي قراءة الضحاك والزهري كما جاء في تفسير أبي حيان 7 / 297 . وفي هامش النسخة الشنقيطية : " الحمد للّه فاطر " . وهي قراءة الجمهور . ( 3 ) في المحتسب : " كان أبلغ فيهما " .