البغدادي

127

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

أقول : أوّل كلامه يدفع آخره ، فإن أوّله اقتضى أن الواو للقسم السؤالي . وقد ردّ الشارح هذا بأن قسم السؤال لا يكون إلّا مع الباء ، وأنّ آخره اقتضى أنّها للعطف ، والجرّ بالباء المقدرة . وفيه النزاع فتأمّل . ثم قال أبو شامة في تعليل قراءة حمزة أنّها على القسم ، وجوابه « 1 » « إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً » : أقسم سبحانه بذلك كما أقسم بما شاء من مخلوقاته من نحو « 2 » : « وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ » . وهذا الوجه ، وإن كان لا مطعن عليه من جهة العربية ، فهو بعيد ، لأنّ قراءة النصب وقراءة ابن مسعود « وبالأرحام » بالباء مصرحتان بالوصاة بالأرحام . وأما ردّ بعض أئمة العربية ذلك فقد قال القشيريّ في « تفسيره » : لعلهم أرادوا أنّه صحيح فصيح ، وإن كان غيره أفصح ؛ فإنّا لا ندعي أنّ كل القراءات على أفصح الدرجات في الفصاحة . وإن أرادوا غير هذا فلا يقلد فيه أئمة اللّغة والنّحو ، فإن القراءات التي قرأ بها الأئمة ثبتت عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا كلام حسن صحيح . انتهى . والبيت من أبيات سيبويه الخمسين التي لم يعرف لها قائل . وقوله : « فاليوم قرّبت » الخ ، قال الأعلم : معنى قرّبت وأخذت واحد ، يقال : قرّبت تفعل كذا أي : جعلت تفعله . والمعنى : هجوك لنا من عجائب الدهر ، فقد كثرت فلا يتعجب منها . انتهى . فأفاد أن قرّبت هنا من أفعال الشروع ، ويؤيده رواية الكوفيّين كما نقله النحاس : * فاليوم أنشأت تهجونا * الخ فجملة « تهجونا » خبر قرّب ، والتاء اسمها . وزعم العيني ، وتبعه غيره أنّ قرّبت هنا بالتشديد بمعنى قربت بالتخفيف ، أي : دنوت ، وجملة « تهجونا » حال ، ويقال : قربت هنا من أفعال المقاربة فحينئذ تكون الجملة خبرا . هذا كلامه .

--> ( 1 ) سورة النساء : 4 / 1 . ( 2 ) سورة التين : 95 / 1 .