البغدادي
52
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
للقتال . فحمل أبو فديك وأصحابه حملة رجل واحد فكشفوا ميسرة عمر حتّى أبعدوا إلّا المغيرة بن المهلّب وفرسان الناس فإنّهم مالوا إلى صفّ أهل الكوفة بالميمنة ، ثم رجع أهل الميسرة وقاتلوا واشتدّ قتالهم حتّى دخلوا عسكر الخوارج ، وحمل أهل الميمنة حتّى استباحوا عسكر الخوارج وقتلوا أبا فديك وحصروا أصحابه ، حتّى نزلوا على الحكم ، فقتل منهم نحو ستّة آلاف وأسر ثمانمائة . ووجدوا جارية أميّة بن عبد اللّه حبلى من أبي فديك وعادوا إلى البصرة ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين من الهجرة ا ه . وبما ذكرنا يطبّق المفصل ويصاب المحزّ . ولمّا لم يقف شرّاح الشواهد على ما مرّ قالوا بالتخمين ورجموا بالظنون ، منهم بعض فضلاء العجم قال في « شرح أبيات المفصل » وتبعه في « شرح شواهد الموشّح » : قيل يصف فاسقا أو كافرا . والمعنى على الأوّل أنّ الفاسق سرى بأفكه وأباطيله في بئر المهلكة من المعاصي وما علم لفرط غفلته إذا صار فيها ، حتّى إذا انفلق الصّبح ، وأضاء الحقّ ، وانكشف ظلمات الشّبه ، واطلع علم معاينة « 1 » لكن لم ينفعه ذلك العلم . وعلى الثاني : أن الكافر سرى بإفكه وبطلانه في ورطة الهلاك من كفره وما شعر بذلك لإعراضه عن الآخرة ، حتّى إذا قامت القيامة علم أنه كان خابطا في ظلمات الكفر ، ولكنّه لا ينجيه من عذاب اللّه . هذا محصول ما قيل فيه ، ولا يبعد أن يكون هذا وصفا لرجل جريء خوّاض في المهالك سالك في مسالك الجنّ « 2 » . وهذا ممّا تتمدّح به العرب ، وأشعارهم ناطقة بذلك . ومعنى قوله : بإفكه ، أنه يكذب نفسه إذا حدّثها بشيء ولا يصدقها فيه ، ويقول لها : إن الشيء الذي تطلبينه بعيد ، لتزداد جدّا في طلبه ، ولا تتوانى فيه ، ولذك قال لبيد « 3 » : ( الرمل )
--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " على معانيه " . ( 2 ) في حاشية طبعة هارون 4 / 56 : " جعلها الشنقيطي في نسخته " في مساكن الجن " . ( 3 ) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ص 180 ؛ وتاج العروس ( كذب ، خزا ) ؛ وجمهرة اللغة ص 596 ؛ وجمهرة الأمثال 1 / 51 ؛ وفصل المقال ص 173 ؛ وكتاب الأمثال ص 116 ؛ وكتاب الأمثال لمجهول ص 22 ؛ ولسان العرب ( كذب ، خزا ) ؛ ومجمع الأمثال 2 / 139 ؛ والمستقصى 1 / 289 .