البغدادي

45

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وأنشد بعده ، وهو الشاهد التاسع والخمسون بعد المائتين ، وهو من أبيات سيبويه « 1 » : ( البسيط ) 259 - ما بال جهلك بعد الحلم والدّين وقد علاك مشيب حين لا حين على أنّ الأولى أن « 2 » تكون لا فيه زائدة لفظا ومعنى . قال سيبويه : إنّما أراد حين حين ، ولا بمنزلة ما إذا ألغيت . قال الأعلم : وإنّما أضاف الحين إلى الحين لأنّه قدر أحدهما « 3 » بمعنى التوقيت ، فكأنه قال : حين وقت حدوثه ووجوبه ، هذا تفسير سيبويه . ويجوز أن يكون المعنى : ما بال جهلك بعد الحلم والدين ، حين لا حين جهل وصبا ، فتكون لا لغوا في اللفظ دون المعنى انتهى . ولم يتنبّه ابن الشّجريّ في « أماليه » لمراد سيبويه بعد نقل عبارته ، ففهم أنّ لا زائدة لفظا فقط فقال : حين الأوّل مضاف إلى الثاني ؛ وفصلت لا بين الخافض والمخفوض كفصلهما في جئت بلا شيء ، كأنه قال : حين لا حين لهو فيه ولعب ، أو نحو ذلك من الإضمار ، لأنّ المشيب يمنع من اللهو واللعب . هذا كلامه ، وقد أورده في معرض الشرح لكلام سيبويه . وقد طبّق المفصّل أبو عليّ الفارسيّ في « الحجة » في الكلام على آخر سورة الفاتحة ، قال : لا فيه زائدة ، والتقدير : وقد علاك مشيب حين حين ، وإنّما كانت زائدة لأنّك إن قلت : علاك مشيب حينا فقد أثبتّ حينا علاه فيه المشيب . فلو جعلت لا غير زائدة لوجب أن تكون نافية على حدّها في قولهم : جئت بلا مال . فنفيت ما أثبت من حيث كان النفي بلا عاما منتظما لجميع الجنس ، فلمّا لم يستقم حمله على النفي للتدافع العارض في ذلك ، حكمت بزيادتها ، فصار التقدير : حين حين .

--> ( 1 ) البيت مطلع قصيدة لجرير يهجو فيها الفرزدق في ديوانه ص 557 ؛ والدرر 3 / 83 ؛ وشرح أبيات سيبويه 2 / 130 ؛ وشرح أبيات المغني 5 / 84 ، 6 / 121 ؛ والكتاب 2 / 305 . وهو بلا نسبة في همع الهوامع 1 / 197 . ( 2 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " قد " . وهو تصحيف لا وجه له . ( 3 ) في حاشية الطبعة السلفية 4 / 35 : " في شرح الأعلم " قد رأى أحدهما " والعبارتان مؤادهما واحد وإن كان ما هنا أشبه " .