البغدادي
416
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
روى السيّد المرتضى في « أماليه : الدّرر والغرر » « 1 » بسنده إلى الأصمعيّ أنه قال : تصرّفت بي الأسباب على باب الرشيد مؤمّلا للظفر به والوصول إليه ، حتّى إنّي صرت لبعض حرسه خدينا « 2 » ؛ [ فإنّي « 3 » ] في بعض ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد ، إذ خرج خادم فقال : أما بالحضرة أحد يحسن الشعر ؟ فقلت : اللّه أكبر ! ربّ قيد مضيّق قد حلّه التيسير « 4 » ! فقال لي الخادم : ادخل ، فلعلّها أن تكون ليلة يغرس في صباحها الغنى « 5 » إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين . فدخلت فواجهت الرّشيد في مجلسه ، والفضل بن يحيى إلى جانبه ؛ فوقف بي الخادم حيث يسمع التسليم ، فسلمت فردّ عليّ السلام ثم قال : يا غلام أرحه ليفرخ روعه إن كان وجد للرّوعة حسّا ! فدنوت قليلا ثمّ قلت : يا أمير المؤمنين ، إضاءة مجدك وبهاء كرمك ، مجيران لمن نظر إليك من اعتراض أذيّة ! فقال : ادن . فدنوت فقال : أشاعر أم راوية ؟ فقلت : راوية لكلّ ذي جدّ وهزل ، بعد أن يكون محسنا ! فقال : تا للّه ما رأيت ادّعاء أعظم من هذا ! فقلت : أنا على الميدان ، فأطلق من عناني يا أمير المؤمنين ! فقال : « قد أنصف القارة من راماها » ، ثم قال : ما المعنى في هذه الكلمة بديئا ؟ فقلت : فيها قولان : القارة هي الحرّة من الأرض ؛ وزعمت الرّواة أنّ القارة كانت رماة للتبابعة ، والملك إذ ذاك أبو حسّان ، فواقف عسكره وعسكر السّغد « 6 » فخرج فارس من السّغد قد وضع سهمه في كبد قوسه فقال : أين رماة العرب ؟ فقالت العرب « 7 » : « قد أنصف القارة من راماها » . فقال لي الرشيد : أصبت ! .
--> ( 1 ) أمالي الشريف المرتضى 2 / 9 . ( 2 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " حرسه حديثا " . وهو تصحيف صوابه من أمالي المرتضى . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من أمالي المرتضى 2 / 9 . ( 4 ) في أمالي المرتضى : " رب قيد مضيقة حله التيسير " . ( 5 ) في أمالي المرتضى : " تعرس في صباحها بالغنى " . ( 6 ) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية : " فوافق عسكره عسكر السعد " . وهو تصحيف صوابه من أمالي المرتضى . ( 7 ) المثل في أمثال العرب ص 127 ؛ وجمهرة اللغة ص 795 ؛ والعقد الفريد 5 / 311 ؛ والفاخر ص 140 ؛ وكتاب الأمثال لمجهول ص 81 ؛ ولسان العرب ( قور ) ؛ والمستقصى 2 / 189 ؛ ومجمع الميداني 2 / 100 ؛ والوسيط في الأمثال ص 135 .