البغدادي

40

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

رضي اللّه عنهما ، وكان من أصحابه في مشاهده وكان ثقة مأمونا يعترف بفضل الشّيخين ، إلّا أنّه كان يقدّم عليّا . توفي سنة مائة من الهجرة . ولما قتل علي رضي اللّه عنه انصرف إلى مكّة فأقام بها حتّى مات ، وقيل أقام بالكوفة ومات بها ؛ والأوّل أصحّ . وقد ذكره ابن أبي خيثمة في شعراء الصّحابة . وكان فاضلا عاقلا ، حاضر الجواب فصيحا . وكان يتشيّع في عليّ ويفضله ، وهو شاعر محسن ، وهو القائل « 1 » : ( الطويل ) أيدعونني شيخا وقد عشت حقبة * وهنّ من الأزواج نحوي نوازع وما شاب رأسي من سننين تتابعت * عليّ ولكن شيّبتني الوقائع هذا ما ذكره صاحب الاستيعاب . وقال صاحب « الأغاني » « 2 » : كان أبو الطفيل مع أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه ؛ وروى عنه . وكان من وجوه شيعته ، وله منه محلّ خاص يستغنى بشهرته عن ذكره . ثم خرج طالبا بدم الحسين - رضي اللّه عنه - مع المختار [ بن أبي عبيد ] « 3 » ، وكان معه حتّى قتل المختار . ولمّا استقام لمعاوية أمره لم يكن شيء أحبّ إليه من لقاء أبي الطفيل ، فلم يزل يكاتبه ويلطف له حتّى أتاه ؛ فلما قدم عليه جعل يكلّمه ، ودخل عليه عمرو بن العاص ومعه نفر ، فقال لهم معاوية : أما تعرفون هذا ؟ هذا فارس صفّين وشاعرها ، خليل أبي الحسن . ثم أنشد من شعره . قالوا : نعم هو أفحش شاعر وألأم جليس ! فقال معاوية : يا أبا الطفيل أتعرفهم ؟ قال : ما أعرفهم بخير ، ولا أبعدهم من شرّ ! ثم قال له معاوية : ما بلغ من حبّك لعليّ ؟ قال : حبّ أمّ موسى لموسى ! قال : فما بلغ من بكائك عليه ؟ قال : بكاء العجوز الثّكلى والشّيخ الرّقوب ؛ وإلى اللّه أشكو التقصير ! قال معاوية : لكنّ أصحابي هؤلاء لو كانوا سئلوا عنّي ما قالوا فيّ ما قلت في صاحبك . قالوا : إذا واللّه ما نقول الباطل ؛ فقال لهم معاوية : لا واللّه ولا الحقّ تقولون ! .

--> ( 1 ) البيتان لأبي الطفيل في الأغاني 15 / 146 . ( 2 ) الأغاني 15 / 147 . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق من الأغاني .