البغدادي
366
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
دمشق ، وهذا شعر ابن الفريعة حسّان بن ثابت شاعر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . قلت : أما إنّه مضرور البصر ، كبير السنّ ! قال : يا جارية ، هاتي . فأتته بخمسمائة دينار ، وخمسة أثواب ديباج ، فقال : ادفع هذه إلى حسّان . ثم راودني على مثلها ، فأبيت فبكى ، ثم قال لجواريه : أبكينني . فوضعن عيدانهنّ ثم أنشأن يقلن « 1 » : ( الطويل ) تنصّرت الأشراف من عار لطمة * وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنّفني فيها لجاج ونخوة * وكنت كمن باع الصّحيحة بالعور فيا ليت أمّي لم تلدني وليتني * رجعت إلى القول الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بفقرة * وكنت أسيرا في ربيعة أو مضر ويا ليت لي بالشّام أدنى معيشة * أجالس قومي ذاهب السّمع والبصر ثم بكى وبكيت معه ، حتّى نظرت إلى دموعه تجول على لحيته [ كأنها اللؤلؤ ] ، ثم سلّمت عليه وانصرفت ، فلما قدمت على عمر سألني عن هرقل وعن جبلة فقصصت عليه القصّة ، فقال : أبعده اللّه ، تعجّل فانية اشتراها بباقية ، فهل سرّح معك شيئا ؟ قلت : سرّح إلى حسان خمسمائة دينار وخمسة أثواب ديباج . فقال : هاتها . وبعث إلى حسان فأقبل يقوده قائده حتّى دنا فسلّم وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّي لأجد أرواح آل جفنة ! فقال عمر رضي اللّه عنه : قد نزع اللّه تعالى لك منه على رغم أنفه ، [ وأتاك بمعونته ] . فأخذها وانصرف وهو يقول « 2 » : ( الكامل ) إنّ ابن جفنة من بقيّة معشر * لم يغذهم آباؤهم باللّوم لم ينسني بالشّام إذ هو ربّها * كلّا ولا متنصّرا بالرّوم يعطي الجزيل ولا يراه عنده * إلّا كبعض عطيّة المذموم وأتيته يوما فقرّب مجلسي * وسقى فروّاني من الخرطوم ثم قال للرسول : ما قال لك جبلة ؟ قال : قال لي : إن وجدته حيّا فادفعها إليه ، وإن وجدته ميتا فاطرح الثّياب على قبره ، وابتع بهذه الدنانير بدنا فانحرها على قبره .
--> ( 1 ) الأبيات بدون نسبة في الأغاني 15 / 167 . ( 2 ) الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ص 363 .