البغدادي

34

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

مرفوع على أنه فاعل فعل مضمر ، تقديره ألّا يقع رجوعها . ألا ترى أنّه لو لم تضمر فيه الوقوع للزم التناقض ، وهذا لأنّ الإيذان يقتضي ألّا يكون الرجوع في الحال متحقّقا كما يقال : هذه العارضة تؤذن بالاستسقاء ، إذا لم يكن واقعا ، ولو لم يضمر الفعل فيه لاقتضت لا أن يكون انتفاء الرجوع في الحال متحقّقا ا ه . ولا يخفى أن هذا ليس من المواضع التي يحذف فيها الفعل ويبقى الفاعل . ويندفع ما عدّه تناقضا بجعل خبر رجوعها اسم فاعل من الوقوع . فتأمّل . وقوله : « بكت جزعا » هو مفعول مطلق نوعيّ ، أي : بكاء جزع ، ويجوز أن يكون مفعولا لأجله . وروى : « قضت وطرا واسترجعت » وفي الاسترجاع هنا قولان : أحدهما : أنّه من الاسترجاع عند المصيبة « 1 » وهو قول « 2 » « إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » . وثانيهما : أنه طلب الرّجوع من الرّحيل لكراهة فراق الأحبّة . وقوله « 3 » : « ثم آذنت الخ » ، « ركائبها » فاعل آذنت ، جمع ركوبة ، وهي الراحلة التي تركب . و « آذنت » بمعنى أشعرت وأعلمت . جعل تهيّؤ الإبل للرّكوب عليها كأنّه إعلام منها بالفراق . وفي إسناد الإيذان للرّكائب دون الحبيبة أمر لطيف لا يخفى حسنه . وقال بعضهم : فيه حذف مضاف ، أي : أصحاب ركائبها أو حداتها . وهذا كالثّوب المغسول لا طراوة له ولا رونق . وقوله : « أن لا إلينا الخ » ، « أن » هنا مفسّرة للإيذان ، وهي الواقعة بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه . وقال شرّاح أبيات المفصّل إنّما هي المخفّفة من الثقيلة ، قالوا : والأصل بأنه ، والضمير للشأن . والبيت ظاهره إخبار ومعناه : تأسّف وتحسّر . وهو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها . واللّه أعلم . * * *

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " أنه استرجاع عند المصيبة " . وقد أثبتنا ما في النسخة الشنقيطية . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 156 . ( 3 ) في طبعة بولاق : " وهو قوله " بزيادة " وهو " . وقد أثبتنا ما في النسخة الشنقيطية .