البغدادي
274
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
ولهذا تقول العرب « 1 » : « رماه بثالثة الأثافي » أي : بالصخرة أو الجبل » انتهى . وعلى هذا الأخير اقتصر ابن السيرافيّ في « شرح أبيات سيبويه » ، وتبعه الجماعة ، قال : الصّفا هو الجبل في هذا الموضع ، وجارتاه : صخرتان تجعلان تحت القدر ، وهما الأثفيّتان اللتان تقربان من الجبل ، فيقوم الجبل مقام صخرة ثالثة تكون تحت القدر . ومقتضى المعنى أنّ في كلّ من الرّبعين جارتا صفا « 2 » لا أنّ في مجموع الربعين جارتا صفا . وقوله : « كميتا الأعالي . . . الخ » هو صفة جارتا صفا ، وهو تركيب إضافيّ مثله ، وهو مثنّى كميت بالتصغير من الكمتة ، وهي الحمرة الشديدة المائلة إلى السواد . وأراد بالأعالي أعالي الجارتين ، قال الأعلم : يعني أنّ الأعالي من الأثفيّتين لم تسود لبعدها عن مباشرة النار ، فهي على لون الجبل . وكذلك قال السيّد المرتضى « 3 » : شبّه أعلاهما بلون الكميت ؛ وهو لون الحجر نفسه ، لأن النّار لم تصل إليه فتسوّده . وقال ابن السيرافيّ ، وتبعه من بعده : يريد أنّ أعالي الأثافي ظهر فيها لون الكمتة من ارتفاع النّار إليها . وقوله : « جونتا مصطلاهما » نعت ثان لقوله : جارتا صفا ، وهو تركيب إضافيّ أيضا . و « الجونة » : السّوداء ؛ والجون : الأسود وهو صفة مشبّهة ، ويأتي بمعنى الأبيض أيضا ، وليس بمراد هنا . ومن الغريب قول النحّاس : إنّ الجون هنا هو الأبيض . و « المصطلى » : اسم مكان الصّلاء ، أي : الاحتراق بالنّار ، فيكون المصطلى موضع إحراق النار . يريد أنّ أسافل الأثافيّ قد اسودّت من إيقاد النّار بينها . والضمير المثنّى في مصطلاهما ، عند سيبويه ، لقوله جارتا صفا ؛ وعند المبرّد ، للأعالي كما يأتي بيانهما . وزعم بعض فضلاء العجم في « شواهد المفصّل » أنّ الكمتة هنا السّواد . وهذا غير صواب .
--> ( 1 ) المثل - قول العرب - في ثمار القلوب ص 557 ؛ وفصل المقال ص 96 ؛ واللسان ( أثف ، ثفا ، ثلث ) ؛ ومجمع الميداني 1 / 287 . ( 2 ) كذا في أصول طبعات الخزانة . والوجه : " جارتي صفا " . بالنصب ، ولقد تمت الرواية على سبيل الحكاية . ( 3 ) أمالي المرتضى 2 / 30 .