البغدادي

125

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

بأن سيبويه حكى أن بعض الناس ينصب « مثلهم » [ خبرا ل « ما » ، و « بشر » اسمها ] « 1 » . وهذا لا يكاد يعرف . وقيل : إن خبر ما محذوف ، أي : إذ ما في الدنيا بشر ، ومثلهم حال من بشر ، وانتصابه عند الكوفيّين على الظرف ، أي : في مثل حالهم ، وفي مثل مكانهم من الرفعة . قول سيبويه مبني على إعمال ما ، والقولان بعده مبنيّان على إهمالها . قال سيبويه : وهذا لا يكاد يعرف ، كما أنّ « 2 » « لاتَ حِينَ مَناصٍ » كذلك . وربّ شيء هكذا . قال السّيرافيّ : يعني أنّ نصب مثلهم بشر على تقديم الخبر قليل ، كما أنّ « لاتَ حِينَ مَناصٍ » بالرفع قليل لا يكاد يعرف انتهى . وقال أبو جعفر النحّاس « 3 » : يذهب سيبويه إلى أنّه نصب مثلهم على أنّه خبر وإن كان مقدما ، فكأنه يجيز ما قائما زيد . أقول : كيف ينصبونه مقدما ؟ قال النحّاس : سألت أبا إسحاق عمّا قاله المبرّد فقال : إنّه لعمري من بني تميم . ولكنه مسلم قد قرأ القرآن ، وقرأ فيه « 4 » : « ما هذا بَشَراً » وقرأ « 5 » : « ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ » فرجع إلى لغة من ينصب ، فلا معنى للتشنيع بأنه من بني تميم . انتهى . أقول : من نصب لا ينصب مع تقدّم الخبر ، فلا يصحّ هذا جوابا . وقيل : أراد الفرزدق أن يتكلّم بلغة الحجاز فغلط ، وهذا باطل « 6 » ؛ فإن العربيّ لا يمكن أن يغلط لسانه ، وإنما الجائز غلطه في المعاني . وقال الأعلم : والذي حمله عليه سيبويه أصحّ عندي وإن كان الفرزدق تميميا : لأنّه أراد أن يخلّص المعنى من الاشتراك : وذلك أنه لو قال فيه إذ ما مثلهم بشر بالرفع ، لجاز أن يتوهّم أنه من باب ما مثلك أحدا ، إذا نفيت عنه الإنسانيّة والمروءة ، فإذا

--> ( 1 ) زيادة يقتضيها السياق من شرح أبيات المغني . ( 2 ) سورة ص : 38 / 3 . ( 3 ) قيل كلام النحاس جاء في شرح أبيات المغني 2 / 159 : " وقد ردّ المبرد على سيبويه بأن الفرزدق تميمي ، وهم يرفعون الخبر مؤخرا ، فكيف ينصبونه مقدما ؟ ! " . ( 4 ) سورة يوسف : 12 / 31 . ( 5 ) سورة المجادلة : 58 / 2 . وفي حاشية طبعة هارون 4 / 134 : " ويبدو أن في هذا النص سقطا " . لنظر حاشيتنا السابقة . ( 6 ) في شرح أبيات المغني 2 / 159 : " . . وهذا كما قيل : الخارج عن لغته لحّان " .