البغدادي
422
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
يفوتهنّ المنزل ، فجعلن يخرجن واحدة واحدة ، حتّى بلغ إلى فاطمة فرآها واستمتع بالنظر إليها ؛ ثم قلن له : قد أتعبتنا فاجلس ! فجلس ينشدهنّ ويحدّثهنّ ويشرب من شراب معه ؛ فقالت إحداهنّ : أطعمنا لحما . فقام إلى مطيّته فنحرها وأطعمهنّ من لحمها ، وشرب حتّى انتشى . حتّى إذا أرادوا الرواح قالت امرأة منهنّ : أتدعن امرأ القيس يهلك ! فقالت فاطمة : فكّكن رحله واحملنه معكنّ وأنا أحمله معي في هودجي ؛ ففعلن ، فجعل يميل رأسه إليها فيقبّلها - وجعل هودجها يميل بها وهي تنادي به وتقول : قد عقرت بعيري فانزل ! - حتّى إذا بلغ قريبا من الحيّ كمن في غمض من الأرض . وسار النساء حتّى لحقن برحالهنّ . انتهى . وروى ابن عبد ربّه « في العقد الفريد « 1 » » نحوا من هذا ، مع بعض مخالفة . ونصّه . قال الفرزدق : أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود ، فلمّا أصبحت ركبت بغلتي وسرت إلى المربد ، فإذا أنا بآثار دوابّ ، فاتّبعت الأثر حتّى انتهيت إلى بغال عليها رحال موقوفة على غدير ، فأسرعت إلى الغدير فإذا فيه نسوة مستنقعات في الماء ؛ فقلت : لم أر كاليوم أشبه بيوم دارة جلجل ؛ وانصرفت مستحييا ، فنادينني : يا صاحب البغلة ، ارجع نسألك عن شيء . فرجعت إليهنّ فقعدن في الماء إلى حلوقهنّ ثم قلن : باللّه لمّ أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل ! قلت : حدّثني جدّي - وأنا يومئذ غلام حافظ - أنّ امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمّه فاطمة - ويقال لها عنيزة - وأنّه طلبها زمانا فلم يصل إليها ، حتّى كان يوم الغدير وهو يوم دارة جلجل : وذلك أن الحيّ تحمّلوا ، فتقدّم الرجال و [ تخلّف « 2 » ] الخدم والثّقل ؛ فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة ، فكمن في غامض « 3 » حتّى مرّ به النساء ، وفيهنّ عنيزة ، فلمّا وردن الغدير قلن : لو نزلنا فاغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنّا بعض الكلال ! فنزلن في الغدير ونحين العبيد ، ثم تجرّدن فوقفن فيه « 4 » ؛ فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ فجمعها
--> ( 1 ) العقد الفريد 6 / 395 . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق من العقد الفريد . ( 3 ) في العقد الفريد : " غيابة " . الغامض : المطمئن من الأرض . ( 4 ) في العقد الفريد : " فوقعن فيه " .