البغدادي
373
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
البصريّون إلى أنّه حرف جرّ ، وذهب أبو العبّاس المبرّد إلى أنّه يكون فعلا ويكون حرفا . أما الكوفيّون فاحتجّوا على فعليته بالتّصرّف كقول النابغة : * وما أحاشي من الأقوام من أحد * وبأنّ لام الخفض تتعلّق به ، قال تعالى « 1 » : « حاشَ لِلَّهِ » وحرف الجرّ إنّما يتعلّق بالفعل لا بالحرف ؛ وبأنّ الحذف يلحقه ، فإنّهم قالوا في حاشا لله : حاش للّه . واستدلّ البصريّون على حرفيّته بأنّ لا يقال ما حاشا زيدا ، كما يقال ما خلا زيدا وما عدا عمرا ، وبأنّ نون الوقاية لا تلحقه فلا يقال حاشاني ، ولو كان فعلا لقيل . وأجابوا عن قول الكوفيّين بالتصرّف ، بأنّ أحاشي مأخوذ من لفظ حاشى وليس متصرّفا منه ، كما يقال : بسمل ، وهلّل ، وحمدل ، وسبحل ، وحوقل : إذا قال بسم اللّه ، ولا إله إلّا اللّه ، والحمد للّه ، وسبحان اللّه ، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه ؛ وكذلك يقال : لبّي ، إذا قال لبّيك . فكما بنيت هذه الأفعال من هذه الألفاظ وإن كانت لا تتصرّف ، فكذلك هاهنا . وقولهم : إنّ لام الجرّ تتعلّق به ، قلنا : لا نسلّم ، فإنّها زائدة لا تتعلّق بشيء . وأما قوله تعالى : « حاشَ لِلَّهِ » فليس لهم فيه حجّة ، فإن حاش فيه ليست للاستثناء وإنّما هي للتنزيه . وقولهم : لحقه الحذف ، قلنا : جوابه من وجهين : أحدهما أنّ الأصل حاش للّه والألف في حاشا حدثت زيادتها ، والثاني أنّ الحرف يدخله الحذف كثيرا ، كربّ وإنّ ، يلحقهما التخفيف ، وكقولك : سو أفعل في سوف أفعل ؛ ويقال : فيه سف أفعل أيضا ا ه كلامه مختصرا . وبهذا وبكلام الشارح المحقّق يردّ على ابن هشام ، في « المغني » ، قوله أنّ أحد أوجه حاشا أن تكون فعلا متعدّيا متصرّفا ، تقول : حاشيته بمعنى استثنيته ؛ ودليل تصرّفه قوله : * ولا أحاشي من الأقوام من أحد * وهذا البيت من قصيدة طويلة للنابغة الذّبيانيّ مدح بها النّعمان بن المنذر ملك الحيرة ؛ وقد تقدّم شرح أبيات منها في الشاهد التاسع والثمانين بعد المائة « 2 » .
--> ( 1 ) سورة يوسف : 12 / 31 ، 51 . ( 2 ) هذا الجزء من الخزانة .