البغدادي
189
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقوله : « فما أمرّ برسم الخ » ، « الرّسم من أثر الدار » : ما كان ملاصقا بالأرض . و « الطّلل » : ما كان شاخصا . يقول : كلّ رسم يذكّرني رسم دارها ، فأسأله تسلّيا ؛ وكلّ ذات خمار تذكّرنيها ، فتريق دمي ؛ وقوله : « تنفّست عن وفاء الخ » ، يقول : تنفّست يوم الوداع تحسّرا على يوم فراقي ، عن وفاء ، يعني عمّا في قلبها من وفاء صحيح غير منشقّ . ويريد : « بالشّعب » : الفراق ؛ من قولهم : شعبته : إذا فرقته . والمعنى : وعن حزن شعب . فحذف المضاف . وقوله : « قبّلتها ودموعي الخ » ، أي : بكينا جميعا حتّى امتزجت دموعي بدموعها ، في حال التقبيل . و « المزج » : المزاج ، مصدر سمّي به الفاعل . يقول : دموعي مازجت دموعها . ونصب فما على الحال . قال أبو حيّان في « الارتشاف » : قال الفرّاء : أكثر كلام العرب كلّمته فاه إلى فيّ بالنصب ، والرفع صحيح وفيما أشبه هذا ، نحو : حاذيته ركبته إلى ركبتي ؛ والأكثر فيه بالرفع . وإذا كان نكرة فالنصب المؤثر المختار ، نحو : كلّمته فما لفم ، وحاذيته ركبة لركبة . ورفعه وهو نكرة جائز على ضعف ، إذا جعلت اللام خبرا لفم ؛ وإن وضعت الواو موضع الصفة ، فقلت : « كلّمته فوه وفيّ » . وحاذيته ركبته وركبتي ، فالواو تعمل ما تعمل إلى ، والنصب معها سائغ على إعمال المضمر ا . ه كلام الفرّاء . قال أبو حيّان ويعني بقوله : « والنصب معها » أي : مع الواو في الثاني . « سائغ على إعمال المضمر » يعني جاعلا ؛ أي : جاعلا فاه ، وجاعلا ركبته . ويقتصر في هذا على مورد السماع . ولو قدّمت حرف الجرّ فقلت : كلّمني عبد الله إلى فيّ فوه ، لم يجز النّصب بإجماع من الكوفيين ، وتقتضيه قاعدة قول سيبويه في أنّه لا يجوز : إلى فيّ ، تبيين « 1 » ، كلك بعد سقيا لك ؛ وتقديم لك على سقيا لا يجوز ، فينبغي أن لا يجوز هذا . فلو قدّمت فاه إلى فيّ على كلّمته ، فقلت : فاه إلى فيّ كلمت زيدا ، فأجازه سيبويه وأكثر البصريّين ؛ واتّفق الكوفيّون على منعه ، وتبعهم بعض البصريّين .
--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " قاعدة قول سيبويه في أن لا يجوز : إلى في تبيين " . وقد أثبتنا ما في طبعة بولاق وهو موافق لما في كتاب الإرتشاف . وفي حاشية الطبعة السلفية 3 / 181 : " وقوله : إلى في . . . إلخ استئناف يعلل عدم الجواز " .