البغدادي
152
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
لأن الحجر يطلب جهة السفل لكونها مركزه ، إذ كلّ شيء يطلب مركزه بطبعه ؛ فالحجر يسرع انحطاطه إلى السفل من العلو ، من غير واسطة فكيف إذا أعانته قوّة دفّاع السيل من عل ! فهو ، حال تدحرجه ، يرى وجهه في الآن الذي يرى فيه ظهره ، بسرعة تقلّبه ، وبالعكس . ولهذا قال : مقبل مدبر معا ، يعني يكون إدباره وإقباله مجتمعين في المعيّة ، لا يعقل الفرق بينهما . وحاصل الكلام وصف الفرس بلين الرأس وسرعة الانحراف - في صدر البيت - وشدّة العدو - في عجزه . وقيل : إنّه جمع وصفي الفرس بحسن الخلق وشدّة العدو ، ولكونه قال في صدر البيت إنّه حسن الصورة كامل النصبة في حالتي إقباله وإدباره ، وكرّه وفرّه ؛ ثم شبّهه بجلمود صخر حطّه السيل من العلو بشدّة العدو ؛ فهو في الحالة التي ترى فيها لببه ترى فيها كفله ؛ وبالعكس . هذا ، ولم تخطر هذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل ، وإنّما الكلام إذا كان قويّا من مثل هذا الفحل ، احتمل لقوّته وجوها من التأويل ، بحسب ما تحتمل ألفاظه ، وعلى مقدار قوى المتكلّمين فيه . ومثله أيضا « 1 » : إذا قامتا تضوّع المسك منهما * نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل فإنّ هذا البيت اتّسع النّقّاد في تأويله : فمن قائل : تضوّع [ مثل ] المسك منهما بنسيم الصبا « 2 » ، ومن قائل : تضوّع نسيم الصّبا منهما ، ومن قائل : تضوّع المسك منهما تضوّع نسيم الصّبا - وهذا هو الوجه [ عندي ] « 3 » - ومن قائل : تضوّع المسك منهما - بفتح الميم ، يعني الجلد - بنسيم الصبا . وقال ابن المستوفي في « شرح أبيات المفصّل » : حدّثني الإمام أبو حامد سليمان ، قال : كنّا في خوارزم ، وقد جرى النظر في بيت امرئ القيس : إذا قامتا تضوّع المسك منهما * . . . البيت
--> ( 1 ) هو الإنشاد السابع والأربعون بعد الثمانمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي . والبيت لامرئ القيس في ديوانه ص 15 ؛ ورصف المباني ص 312 ؛ وشرح أبيات المغني 7 / 290 ؛ وشرح القصائد العشر ص 31 ؛ ولسان العرب ( قرنفل ، روي ) ؛ والمنصف 3 / 20 ، 75 . وهو بلا نسبة في الأشباه والنظائر 1 / 343 ؛ ولسان العرب ( ضوع ) ؛ ومغني اللبيب 2 / 617 ؛ والممتع في التصريف 2 / 572 . ( 2 ) في تحرير التحبير : " نسيم الصبا " . وما هنا أصح . ( 3 ) زيادات يقتضيها السياق من شرح أبيات المغني للبغدادي 7 / 291 .