البغدادي

122

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وأبا سفّانة ، بفتح السين وتشديد الفاء . وابنه أدرك الإسلام وأسلم . وقد مضت ترجمته في الشاهد الأربعين « 1 » . أخرج أحمد في مسنده ، عن ابنه عديّ قال : قلت يا رسول اللّه : إنّ أبي كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا ، قال : إنّ أباك أراد أمرا فأدركه ، يعني : الذّكر . وكانت سفّانة بنته أتي بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا محمّد ، هلك الوالد ، وغاب الوافد ؛ فإن رأيت أن تخلّي عنّي ، ولا تشمت بي أحياء العرب ! فإنّ أبي سيّد قومه : كان يفكّ العاني ، ويحمي الذمار ، ويفرّج عن المكروب ، ويطعم الطّعام ، ويفشي السّلام ، ولم يطلب إليه طالب قطّ حاجة فردّه ! أنا ابنة حاتم طيّ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « يا جارية ، هذه صفة المؤمن ! لو كان أبوك إسلاميا لترحّمنا عليه ! خلّوا عنها ، فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق ! » . قال ابن الأعرابيّ : كان حاتم من شعراء الجاهليّة ، وكان جوادا يشبه جوده شعره ، ويصدّق قوله فعله ؛ وكان حيثما نزل عرف منزله ؛ وكان مظفّرا : إذا قاتل غلب ، وإذا غنم أنهب ، وإذا ضرب بالقداح فاز ، وإذا سابق سبق ، وإذا أسر أطلق ؛ وكان أقسم بالله : لا يقتل واحد أمّه ، وكان إذا أهلّ رجب نحر في كلّ يوم عشرة من الإبل وأطعم الناس واجتمعوا عليه . وكان أوّل ما ظهر من جوده ، أنّ أباه خلّفه في إبله - وهو غلام - فمرّ به جماعة من الشعراء ، فيهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم ، والنابغة الذّبيانيّ ، يريدون النّعمان بن المنذر ؛ فقالوا له : هل من قرى ؟ « ولم يعرفهم » فقال : أتسألوني القرى وقد رأيتم الإبل والغنم ؟ انزلوا ! فنزلوا ، فنحر لكلّ واحد منهم ، وسألهم عن أسمائهم ؛ فأخبروه ؛ ففرّق فيهم الإبل والغنم ، وجاء أبوه ، فقال : ما فعلت ؟ قال : طوّقتك مجد الدّهر ، تطويق الحمامة ، وعرّفه القضيّة . فقال أبوه : إذا لا أساكنك بعدها أبدا ، ولا أوويك ! فقال حاتم : إذا لا أبالي ! . وأخبار كرم حاتم كثيرة وشهيرة .

--> ( 1 ) الخزانة الجزء الأول ص 281 .