البغدادي

118

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وهو افتعال أيضا من الصّنع ، وهو الفعل الجميل . والإعراض عن الشيء : الصفح عنه . يقول : إذا بلغتني كلمة قبيحة عن رجل كريم قالها فيّ ، غفرتها له لأجل كرمه وحسبه ، وأبقيت على صداقته وادّخرته ليوم أحتاج إليه فيه - لأنّ الكريم إذا فرط منه قبيح ندم على ما فعل ، ومنعه كرمه أن يعود إلى مثله - وأعرض عن ذمّ اللّئيم ، إكراما لنفسي عنه ! وما أحسن قول طرفة بن العبد « 1 » : ( الطويل ) وعوراء جاءت من أخ فرددتها * بسالمة العينين طالبة عذرا ! وهذا من إحكام صنعة الشعر ومقابلة الألقاب بما يشا كلها ويتمّم معانيها وذلك أنّه لمّا كان الكلام القبيح يشبّه بالأعور العين ؛ سمّي ضدّه سالم العينين . وقد أورد صاحب الكشّاف هذا البيت في التفسير ، عند قوله تعالى « 2 » « حَذَرَ الْمَوْتِ » على أنّه مفعول له ، معرّفا بالإضافة ، كما في ادّخاره . وهو من قصيدة طويلة لحاتم الطّائيّ ، تتعلق بالكرم ومكارم الأخلاق . وهي مسطورة في « الحماسة البصريّة » وغيرها . وهي هذه « 3 » : ( الطويل ) وعاذلتين هبّتا بعد هجعة * تلومان متلافا مفيدا ملوّما تلومان لمّا غوّر النّجم ضلّة * فتى لا يرى الإنفاق في الحمد مغرما فقلت وقد طال العتاب عليهما * وأوعدتماني أن تبينا وتصرما ألا لا تلوماني على ما تقدّما * كفى بصروف الدّهر للمرء محكما فإنّكما لا ما مضى تدركانه * ولست على ما فاتني متندّما فنفسك أكرمها فإنّك إن تهن * عليك فلن تلقى لها الدّهر مكرما أهن للذي تهوى التّلاد فإنّه * إذا متّ كان المال نهبا مقسّما

--> ( 1 ) البيت من مقطوعة لأنس بن أبي أناس في المؤتلف ص 70 ؛ وللأعور الشني في حماسة البحتري ص 638 . وهو بلا نسبة في أساس البلاغة ( سلم ) ؛ وتاج العروس ( عور ) ؛ وتهذيب اللغة 3 / 171 ؛ ولسان العرب ( عور ) ؛ والمخصص 16 / 57 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 19 و 2 / 243 . ( 3 ) الأبيات في ديوان حاتم الطائي ص 221 - 227 ؛ ومختارات ابن الشجري ص 46 - 54 ؛ ونوادر أبي زيد ص 109 - 111 . والأبيات 1 - 15 في شرح أبيات المغني للبغدادي 8 / 39 - 40 . والبيت الحادي عشر منها هو الإنشاد الثاني بعد التسعمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي . ورواية الخزانة تختلف عن رواية الديوان بشكل يسير .