ابن حجر العسقلاني

379

فتح الباري

في هذا شاهد على صحة تضمين بعض الأفعال معنى فعل آخر وإجرائه مجراه في التعدية فإن عسيت في هذا الكلام بمعنى حسبت وأجريت مجراها فنصبت ضمير الغائبين على أنه مفعول ثان وكان حقه أن يكون عاريا من أن لكن جئ بها لئلا تخرج عسى عن مقتضاها بالكلية وأيضا فإن أن قد تسد بصلتها مسد مفعولي حسبت فلا يستبعد مجيئها بعد المفعول الأول بدلا منه قال ويجوز جعل ما عسيتهم حرف خطاب والهاء والميم اسم عسى والتقدير ما عساهم أن يفعلوا بي وهو وجه حسن قوله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك بفتح الفاء من ننفس أي لم نحسدك على الخلافة يقال نفست بكسر الفاء أنفس بالفتح نفاسة وقوله استبددت في رواية غير أبي ذر واستبدت بدال واحدة وهو بمعناه وأسقطت الثانية تخفيفا كقوله فظلتم تفكهون أصله ظللتم أي لم تشاورنا والمراد بالامر الخلافة قوله وكنا نرى بضم أوله ويجوز الفتح قوله لقرابتنا أي لأجل قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا أي لنا في هذا الامر قوله حتى فاضت أي لم يزل على يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فاضت عينا أبي بكر من الرقة قال المازري ولعل عليا أشار إلى أن أبا بكر استبد عليه بأمور عظام كان مثله عليه أن يحضره فيها ويشاوره أو أنه أشار إلى أنه لم يستشره في عقد الخلافة له أولا والعذر لأبي بكر أنه خشي من التأخر عن البيعة الاختلاف لما كان وقع من الأنصار كما تقدم في حديث السقيفة فلم ينتظروه قوله شجر بيني وبينكم أي وقع من الاختلاف والتنازع قوله من هذه الأموال أي التي تركها النبي صلى الله عليه وسلم من أرض خيبر وغيرها قوله فلم آل أي لم أقصر قوله موعدك العشية بالفتح ويجوز الضم أي بعد الزوال قوله رقي المنبر بكسر القاف بعدها تحتانية أي علا وحكى بن التين أنه رآه في نسخة بفتح القاف بعدها ألف وهو تحريف قوله وعذره بفتح العين والذال على أنه فعل ماض ولغير أبي ذر بضم العين وإسكان الذال عطفا على مفعول وذكر قوله وتشهد علي فعظم حق أبي بكر زاد مسلم في روايته من طريق معمر عن الزهري وذكر فضيلته وسابقته ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه قوله وكان المسلمون إلى علي قريبا أي كان ودهم له قريبا حين راجع الامر بالمعروف أي من الدخول فيما دخل فيه الناس قال القرطبي من تأمل ما دار بين أبي بكر وعلي من المعاتبة ومن الاعتذار وما تضمن ذلك من الانصاف عرف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة وإن كان الطبع البشري قد يغلب أحيانا لكن الديانة ترد ذلك والله الموفق وقد تمسك الرافضة بتأخر علي عن بيعة أبي بكر إلى أن ماتت فاطمة وهذيانهم في ذلك مشهور وفي هذا الحديث ما يدفع في حجتهم وقد صحح بن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدري وغيره أن عليا بايع أبا بكر في أول الأمر وأما ما وقع في مسلم عن الزهري أن رجلا قال له لم يبايع على أبا بكر حتى ماتت فاطمة قال لا ولا أحد من بني هاشم فقد ضعفه البيهقي بأن الزهري لم يسنده وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصح وجمع غيره بأنه بايعه بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث كما تقدم وعلى هذا فيحمل قول الزهري لم يبايعه علي في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده وما أشبه ذلك فإن في انقطاع مثله عن مثله ما يوهم من لا يعرف باطن الامر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته فأطلق من أطلق ذلك وبسبب ذلك أظهر على المبايعة التي بعد موت فاطمة عليها