ابن حجر العسقلاني
152
فتح الباري
قال بينا انا جالس إذ جاء جبريل فوكز بين كتفي فقمنا إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر فقعدت في أحدهما وقعد جبريل في الاخر فارتفعت حتى سدت الخافقين الحديث وفيه ففتح لي باب من السماء ورأيت النور الأعظم وإذا دونه حجاب رفرف الدر والياقوت ورجاله لا بأس بهم الا ان الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله وعلى كل حال فهي قصة أخرى الظاهر أنها وقعت بالمدينة ولا بعد في وقوع أمثالها وانما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج التي وقع فيها سؤاله عن كل نبي وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك فان تعدد ذلك في اليقظة لا يتجه فيتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض أو الترجيح الا انه لا بعد في جميع وقوع ذلك في المنام توطئة ثم وقوعه في اليقظة على وفقه كما قدمته ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره كان الاسراء في النوم واليقظة ووقع بمكة والمدينة فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب فيحتمل ويكون الاسراء الذي اتصل به المعراج وفرضت فيه الصلوات في اليقظة بمكة والاخر في المنام بالمدينة وينبغي ان يزاد فيه ان الاسراء في المنام تكرر بالمدينة النبوية وفي الصحيح حديث سمرة الطويل الماضي في الجنائز وفي غيره حديث عبد الرحمن بن سمرة الطويل وفي الصحيح حديث ابن عباس في رؤياه الأنبياء وحديث ابن عمر في ذلك وغير ذلك والله أعلم ( قوله سبحان ) أصلها للتنزيه وتطلق في موضع التعجب فعلى الأول المعنى تنزه الله عن أن يكون رسوله كذابا وعلى الثاني عجب الله عباده بما أنعم به على رسوله ويحتمل أن تكون بمعنى الامر أي سبحوا الذي أسرى ( قوله أسرى ) مأخوذ من السرى وهو سير الليل تقول أسرى وسرى إذا سار ليلا بمعنى هذا قول الأكثر وقال الحوفي أسرى سار ليلا وسرى سار نهارا وقيل أسرى سار من أول الليل وسرى سار من اخره وهذا أقرب والمراد بقوله أسرى بعبده أي جعل البراق يسري به كما يقال أمضيت كذا أي جعلته يمضي وحذف المفعول لدلالة السياق عليه ولان المراد ذكر المسري به لا ذكر الدابة والمراد بقوله بعبده محمد عليه الصلاة والسلام اتفاقا والضمير لله تعالى والإضافة للتشريف وقوله ليلا ظرف للاسراء وهو للتأكيد وفائدته رفع توهم المجاز لأنه قد يطلق على سير النهار أيضا ويقال بل هو إشارة إلى أن ذلك وقع في بعض الليل لا في جميعه والعرب تقول سرى فلان ليلا إذا سار بعضه وسرى ليلة إذا سار جميعها ولا يقال أسرى ليلا الا إذا وقع سيره في أثناء الليل وإذا وقع في أوله يقال أدلج ومن هذا قوله تعالى في قصة موسى وبني إسرائيل فأسر بعبادي ليلا أي من وسط الليل ( قوله سمعت جابر بن عبد الله ) كذا في رواية الزهري عن أبي سلمة وخالفه عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة فقال عن أبي هريرة أخرجه مسلم وهو محمول على أن لأبي سلمة فيه شيخين لان في رواية عبد الله بن الفضل زيادة ليست في رواية الزهري ( قوله لما كذبني ) في رواية الكشميهني كذبتني بزيادة مثناة وكلاهما جائز وقد وقع بيان ذلك في طرق أخرى فروى البيهقي في الدلائل من طريق صالح بن كيسان عن الزهري عن أبي سلمة قال افتتن ناس كثير يعني عقب الاسراء فجاء ناس إلى أبي بكر فذكروا له فقال اشهد أنه صادق فقالوا وتصدقه بأنه اتى الشام في ليلة واحدة ثم رجع إلى مكة قال نعم اني أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء قال فسمي بذلك الصديق قال سمعت جابرا يقول فذكر الحديث وفي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار بإسناد حسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان