البغدادي
69
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وأما الثالث فهو مؤكّد لنفسه ؛ لأنه أكّد مضمون المفرد لا مضمون الجملة ، لأنه أكّد الفعل بدون الفاعل ، والفعل يدلّ وحده على الحدث والزمان . هذا محصل كلامه . والحاليّة لا تطّرد في كل موضع ، ولهذا ذهب الإمام المرزوقيّ في « شرح فصيح ثعلب » ، إلى أن انتصاب أجدّكما إمّا بنزع الخافض وإمّا بفعله المحذوف . والمفهوم من كلام ابن جنّي على هذا البيت في إعراب الحماسة : أن « أجدّكما » منصوب بفعله المحذوف . لكنّ جعله جملة لا تقضيان حالا غير جيّد ، لأنّها مقيّدة وجدّكما قيد لها ، والمقيّد هو أصل الكلام . ثم جوابه عن إيراده على جعله الجملة حالا أنّها مصدّرة بعلم الاستقبال ، بأن الشاعر أراد امتداد الحال فلما لاحظ حال الاستمرار والاستقبال أتى بلا ، غير صحيح ؛ فإن « لا » ليست للاستقبال على الصحيح ، والمضارع المنفيّ بها يقع حالا نحو « 1 » : « ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً » . وقد تعسّف أيضا في نحو « أجدّك لا تفعل » بأنه على إرادة استمرار حكاية الحال الممتدّة فيما مضى . قال أبو حيّان في « الارتشاف » : ولا تفعل عند أبي عليّ حال أو على إضمار أن فحذف أن وارتفع الفعل . واعلم أن صنيع الشارح المحقّق ، فيه ردّ لمن جعل - كابن الحاجب - أجدّك لا تفعل كذا ، من قبيل المصدر المؤكّد لغيره ، قال ابن الحاجب في « الإيضاح » : « أصله لا تفعل كذا جدا ، لأن الذي ينبغي الفعل عنه يجوز أن يكون بجدّ منه ويجوز أن يكون من غير جدّ فإذا قال : جدا فقد ذكر أحد المحتملين ؛ ثم أدخلوا همزة الاستفهام إيذانا بأن الأمر ينبغي أن يكون كذلك ، على سبيل التقرير ؛ فقدّم المصدر من أجل همزة الاستفهام فصار : أجدّك لا تفعل ، ثم لمّا كان معناه تقرير أن يكون الأمر على وفق ما أخبر صار في معنى تأكيد كلام المتكلّم ، فيتكلّم به من يقصد إلى التأكيد وإن كان ما تقدم هو الأصل الجاري على قياس لغتهم . ويجوز أن يكون معنى أجدّك في مثله : أتفعله جدا منك ، على سبيل الإنكار لفعله جدا ، ثم نهاه عنه أو أخبر عنه بأنه لا يفعل ، فيكون أجدّك توكيدا لجملة مقدرة دلّ سياق الكلام عليها . ومما يدلّ على أنهم يقولون أفعله جدا قول أبي طالب :
--> ( 1 ) سورة نوح 71 / 13 .