البغدادي
52
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
فلما دخلوا الشعب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المؤمنين أن يخرجوا إلى أرض الحبشة ، وكانت متجرا لقريش ؛ وكان يثني على النجاشيّ بأنه لا يظلم عنده أحد . فانطلق عامّة من آمن بالله ورسوله إلى الحبشة ، ودخل بنو هاشم وبنو عبد المطلب الشّعب مؤمنهم وكافرهم : فالمؤمن دينا ، والكافر حميّة . فلما عرفت قريش أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منعه قومه ، أجمعوا على أن لا يبايعوهم ولا يدخلوا إليهم شيئا من الرّفق « 1 » ، وقطعوا عنهم الأسواق ، ولم يتركوا طعاما ولا إداما إلّا بادروا إليه واشتروه ، ولا يناكحوهم ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتّى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ، وكتبوا بذلك صحيفة وعلّقوها في الكعبة ، وتمادوا على العمل بما فيها من ذلك ثلاث سنين . فاشتدّ البلاء على بني هاشم ومن معهم ، فأجمعوا على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب : يا عمّ ، إنّ ربي قد سلّط الأرضة على صحيفة قريش فلحستها ، إلّا ما كان اسما للّه فأبقته . قال : أربّك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم قال : فوالله ما يدخل عليك أحد ! ثم خرج إلى قريش فقال : يا معشر قريش ، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن هذه الصحيفة التي في أيديكم قد بعث الله عليها دابّة فلحست ما فيها فإن كان كما يقول فأفيقوا ، فلا والله لا نسلمه حتى نموت ، وإن كان يقول باطلا دفعناه إليكم . فقالوا : قد رضينا . ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر به صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : هذا سحر ابن أخيك ! وزادهم ذلك بغيا وعدوانا . فقال أبو طالب : يا معشر قريش ، علام نحصر ونحبس ؟ وقد بان الأمر وتبيّن أنكم أهل الظلم والقطيعة ! ثم دخل هو وأصحابه بين أستار الكعبة وقال : اللهمّ انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحلّ ما يحرم عليه منّا . ثم انصرف إلى الشعب وقال هذه القصيدة . قال ابن كثير « 2 » : هي قصيدة بليغة جدا ، لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه ، وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى .
--> ( 1 ) الرفق - بالكسر - ، والمرفق كمنبر ومجلس ومقعد : ما يستعان به . ( 2 ) البداية والنهاية 3 / 57 .