البغدادي
50
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
إن أنا أرضيتها لك حتى ترضى فما الثواب ؟ قال : حكمك . فأتى إلى بابها وقد مزّق ثوبه وسوّده ، فاستأذن عليها وقال : الأمر الذي أتيت فيه عظيم ؛ فأدخل لوقته فرمى بنفسه وبكى . فقالت : مالك يا عمّ ؟ قال : لي ولدان هما من المبرّة والإحسان إليّ في غاية ، وقد عدا أحدهما على أخيه فقتله وفجعني به ، فاحتسبته وقلت : يبقى لي ولد أتسلّى به ؛ فأخذه أمير المؤمنين وقال : لابدّ من القود ، وإلّا فالناس يجترئون على القتل ! وهو قاتله إلا أن يغيثني الله بك ، فتحت الباب ودخلت على عبد الملك وأكبّت على البساط تقبّله وتقول : يا أمير المؤمنين ، قد تعلم فضل عمر بن بلال ، وقد عزمت على قتل ابنه فشفّعني فيه . قال عبد الملك : ما كنت بالذي أفعل : فأقبلت في الضراعة والخضوع حتى وعدها العفو عنه - وصلح ما بينهما ووفى لعمر بما وعده به . كلّ هذا من كتاب « الجواهر في الملح والنوادر » تأليف أبي إسحاق إبراهيم بن عليّ المعروف بالحصريّ صاحب زهر الآداب . وترجمة الأحوص تقدّمت في الشاهد الخامس والثمانين . * * * وأنشد بعده - وهو الشاهد الحادي والتسعون - قول أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم « 1 » : ( الطويل ) 91 - إذن لاتّبعناه على كلّ حالة من الدّهر جدّا غير قول التّهازل على أنّ المصدر المؤكد لغيره يكون في الحقيقة مؤكدا لنفسه ، لأنه إما مع صريح القول كقوله تعالى « 2 » : « ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ » ، أو ما هو في معنى القول كما في هذا البيت ، فإن قوله « جدّا » مصدر مؤكد لما يحتمل غيره ، فإنّ قوله « اتبعناه » يحتمل أن يكون قاله على سبيل الجدّ وهو المفهوم من اللفظ ، وأن يكون قاله على طريق الهزل وهو احتمال عقليّ . فأكّد المعنى الأول بما هو في معنى القول ، لأنه أراد به : قولا جدّا ، والقرينة عليه ما بعده ، فإنّ قول التهازل يقابل قول الجدّ ، فكان الأولى أن يقول : قول جدّ بالإضافة ليناسب ما بعده ، فيكون لمّا حذف
--> ( 1 ) البيت من قصيدة مطولة في مخطوط ديوانه نسخة الشنقيطي ورقة رقم / 4 / . وهو في السيرة النبوية 2 / 280 . ( 2 ) سورة مريم : 19 / 34 .