البغدادي
139
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
أخذها أهلها فزوّجوها من عكرمة فولدت له جارية « 1 » - فقدم عبيد الله فخاصمهم إلى عليّ بن أبي طالب ؛ فقال له : يا ابن الحرّ ، أنت الممالئ علينا عدوّنا . فقال ابن الحرّ : أمّا إنّ ذلك لو كان لكان أثري معه بيّنا ، وما كان ذلك ممّا يخاف من عدلك . وقاضى الرجل إلى عليّ فقضى له بالمرأة . فأقام عبيد الله معها منقبضا عن كلّ أمر في يدي عليّ ، حتّى قتل عليّ رضي الله عنه ، وحتّى ولي عبيد الله بن زياد وهلك معاوية وولي يزيد ، وكان من أمر الحسين ما كان . قال أبو مخنف : لما أقبل الحسين بن عليّ - رضوان الله عليهما - فأتى قصر بني مقاتل ، فلمّا قتل عبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل بن أبي طالب وتحدّث أهل الكوفة : أن الحسين يريد الكوفة ؛ خرج عبيد الله بن الحرّ منها متحرّجا من دم الحسين ومن معه من أهل بيته ، حتّى نزل قصر بني مقاتل ، ومعه خيل مضمّرة ومعه ناس من أصحابه . فلما قدم الحسين رضي الله تعالى عنه قصر بني مقاتل ونزل ، رأى فسطاطا مضروبا فقال « 2 » : لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل : لعبيد الله بن الحرّ الجعفيّ - ومع الحسين يومئذ الحجّاج بن مسروق ، وزيد بن معقل الجعفيّان . فبعث إليه الحسين الحجّاج بن مسروق ؛ فلما أتاه قال له : يا ابن الحرّ ، أجب الحسين بن عليّ . فقال له ابن الحرّ : أبلغ الحسين : أنّه إنما دعاني إلى الخروج من الكوفة حين بلغني أنك تريدها ، فرار من دمك ودماء أهل بيتك ، ولئلّا أعين عليك ؛ وقلت إن قاتلته كان عليّ كبيرا وعند الله عظيما ، وإن قاتلت معه ولم أقتل بين يديه كنت قد ضيّعت قتله ؛ وأنا رجل أحمى أنفا من أن أمكّن عدويّ فيقتلني ضيعة ، والحسين ليس له ناصر بالكوفة ولا شيعة يقاتل بهم . فأبلغ الحجّاج الحسين قول عبيد الله فعظم عليه ، فدعا بنعليه ثم أقبل يمشي حتّى دخل على عبيد الله بن الحرّ الفسطاط ؛ فأوسع له عن صدر مجلسه وقام إليه حتّى أجلسه . فلما جلس « قال يزيد بن مرة : فحدّثني عبيد الله بن الحرّ قال : دخل عليّ الحسين رضي الله عنه ولحيته كأنّها جناح غراب ! وما رأيت أحدا قطّ أحسن ولا أملأ للعين من الحسين ! ولا رققت على أحد قطّ رقّتي عليه حين رأيته يمشي والصّبيان حوله » فقال له الحسين : ما يمنعك يا ابن الحرّ أن تخرج معي ؟ قال ابن الحرّ : لو كنت كائنا من أحد الفريقين لكنت معك ، ثم كنت من أشدّ أصحابك على عدوّك ؛
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " حارثة " . وهو تصحيف صوابه من الطبعة السلفية نقلا عن النسخة الشنقيطية . ( 2 ) الخبر في الكامل في التاريخ 4 / 50 - 51 .