البغدادي
119
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
* فقد نبغت لنا منهم شؤون * وقيل : لأنّه لم يقل الشعر حتّى صار رجلا . وقيل : هو مشتق من نبغت الحمامة : إذا تغنّت . وحكى ابن ولّاد أنه يقال : نبغ الماء ونبغ بالشعر . فكأنه أراد أن له مادة من الشعر لا تنقطع كمادّة الماء النابغ . قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء « 1 » : ونبغ بالشعر بعد ما احتنك ، وهلك قبل أن يهتر « 2 » . وهو أحد الأشراف الذين تمحّض الشّعر منهم « 3 » ؛ وهو أحسنهم ديباجة شعر ، وأكثرهم رونق كلام ، وأجزلهم بيتا . كأنّ شعره كلام ليس فيه تكلّف . قال الأصمعيّ : سألت بشارا عن أشعر الناس ، فقال : أجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفة ، وأهل الكوفة على بشر بن أبي خازم والأعشى ، وأهل الحجاز على النابغة وزهير ، وأهل الشام على جرير والفرزدق والأخطل . ومات النابغة في الجاهلية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث . والأبيات الدالية من قصيدة وصف بها المتجردة امرأة النعمان بن المنذر ، وكان النابغة من خواصّه وندمائه وأهل أنسه ، فرأى زوجته المتجرّدة يوما وغشيها أمر سقط نصيفها « 4 » واستترت بيدها وذراعها . وذكر في هذه القصيدة أمورا عجيبة منها في صفة فرجها . ثم أنشدها النابغة مرّة بن سعيد القريعيّ فأنشدها مرّة النعمان ، فامتلأ غضبا وأوعد النابغة وتهدّده . فهرب منه إلى ملوك غسّان بالشام . وقيل : إن الذي من أجله هرب النابغة « 5 » : إنه كان هو والمنخّل اليشكريّ نديمين للنّعمان ، وكان النعمان دميما قبيح المنظر ، وكان المنخّل من أجمل العرب ، وكان يرمى بالمتجرّدة ، وتكلّمت العرب أن ابني النعمان منها كانا منه فقال النعمان للنابغة : يا أبا أمامة ، صف المتجرّدة في شعرك . فقال تلك القصيدة ، ووصفها فيها ووصف بطنها وفرجها وأردافها . فلحقت المنخّل من ذلك غيرة ، فقال للنعمان : ما يستطيع
--> ( 1 ) الشعر والشعراء ص 92 . ( 2 ) احتنك ، أي أحكمته التجارب لتقدم سنه . وأهتر : ذهب عقله من الكبر . أراد أن مدة قوله الشعر كانت قصيرة . ( 3 ) قولته : " وهو أحد الأشراف الذين تمحّض الشعر منهم " . ليست موجودة في الشعر والشعراء . ( 4 ) كذا في طبعة بولاق والنسخة السلفية ؛ ووجه الكلام سقط من أجله نصيفها . ( 5 ) خبر النابغة في النعمان بتفصيل في الشعر والشعراء ص 100 - 101 .