البغدادي
448
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
واعتزل الحارث بن عباد وقال : هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل « 1 » ! فعرّض سعد في هذا الشعر بقعود الحارث بن عباد عن الحرب ، كما يأتي بيانه . وزعم الدّماميني في الحاشية الهندية : أن الوضع هنا معناه الإهلاك ؛ وذلك لعدم وقوفه على منشأ هذا الشعر . وبعد هذا البيت « 2 » : والحرب لا يبقى لجا * حمها التّخيّل والمراح إلا الفتى الصبّار في النّج * دات والفرس الوقاح وهما من أبيات سيبويه ، أوردهما على أن الفتى وما بعده بدل من التخيّل والمراح على الاتساع والمجاز . ولذلك أوردهما الشارح أيضا في باب المستثنى ، وذلك أنه استثناء منقطع كقولك : ما فيها أحد إلّا حمار ، فرفع على لغة بني تميم . ولا يخفى أن هذا البدل ليس بدل بعض كما هو شأنه ، ولهذا قال سيبويه : على الاتساع والمجاز . ثم أقول : هذا بناء على الظاهر ، وإن اعتبر حذف مضاف أي : ذو التخيّل فالاستثناء متصل ، ويختار فيه الإبدال . و « الجاحم » بتقديم الجيم على الحاء المهملة : المكان الشديد الحرّ ، من جحمت النار فهي جاحمة : إذا اضطرمت ، ومنه الجحيم . و « التخيّل » : التكبّر ، من الخيلاء . يقول : إنها تزيل نخوة المنخوّ ، وذلك أن أولي الغناء « 3 » يتكرّمون عن الخيلاء ، ويختال المتشبّع فإذا جرب فلم يحمد افتضح وسقط . و « المراح » بكسر الميم : النشاط ، أي : إنها تكفّ حدّة البطر النشيط . وهذا تعريض بالحارث بن عباد بأنه صاحب خيلاء ومراح . و « الصبّار » : مبالغة صابر . و « النجدة » : الشدة والبأس في الحرب . و « الوقاح » بفتح الواو : الفرس الذي حافره صلب شديد ؛ ومنه الوقاحة . وقال بعدهما بأبيات :
--> ( 1 ) في طبعة بولاق : « لا ناقة فيها ولا جملي » . وهو تصحيف صوابه من شرح أبيات المغني للبغدادي . والخبر فيه 4 / 312 . ( 2 ) الأبيات في الأغاني 5 / 46 ؛ وشرح ديوان الحماسة للأعلم ص 170 ؛ وشرح ديوان الحماسة للتبريزي 2 / 73 ؛ وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 102 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 4 / 312 - 313 . ( 3 ) في طبعة بولاق : « أولى الغنى » .