البغدادي

183

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقال شارح ديوانه محمد بن حبيب : وكان الأعشى فيما روي رحل « 1 » عند ظهور النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى مكة ، وكان قد سمع قراءة الكتب ، فنزل عند عتبة بن ربيعة ، فسمع به أبو جهل فأتاه في فتية من قريش ، وأهدى له هدية ثم سأله : ما جاء بك ؟ قال : جئت إلى محمد ، إني كنت سمعت مبعثه في الكتب لأنظر ماذا يقول ، وماذا يدعو إليه ، فقال أبو جهل : إنه يحرّم الزّنى . فقال : لقد كبرت ومالي في الزّنى حاجة . قال : فإنّه يحرّم عليك الخمر . قال : فما أحلّ ! ! فجعلوا يحدثونه بأسوأ ما يقدرون عليه . فقالوا : أنشدنا ما قلت فيه . فأنشد « 2 » : ( الطويل ) ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السّليم المسهّدا وهي قصيدة جيّدة عدّتها أربعة وعشرون بيتا ، فلما أنشدهم قالوا : هذا رجل لا يمدح أحدا إلا رفعه ، ولا يهجو أحدا إلّا وضعه . فمن لنا يصرفه عن هذا الوجه ؟ فقال أبو جهل للأعشى : أما أنت فلو أنشدته هذه لم يقبلها . فلم يزالوا به ، لشقاوته ، حتى صدّره وخرج من فورته حتى وصل اليمامة فمكث بها قليلا ثم مات . وروى ابن دأب وغيره أنّ الأعشى خرج يريد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال شعرا ، حتى إذا كان ببعض الطريق نفرت به راحلته فقتلته ، فلما أنشد شعره الذي يقول فيه « 3 » : ( الطويل ) وآليت لا أرثي لها من كلالة * ولا من حفى حتّى تلاقي محمّدا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم * تراحي وتلقي من فواضله ندى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « كاد ينجو ولمّا » . وترد هذه القصيدة إن شاء الله مشروحة في « شواهد مغني اللبيب » ، فإنّه استشهد بغالب أبياتها ، ولم يقع منها شيء في هذه الشواهد .

--> ( 1 ) هذه الكلمة ساقطة من طبعة بولاق . وهي مضافة في طبعتي السلفية وهارون . ( 2 ) مطلع قصيدة يمدح فيها الرسول الكريم صلوات اللّه عليه هي في ديوانه ص 185 . وهو الإنشاد الثاني والخمسون بعد الثمانمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي . ( 3 ) ديوانه ص 185 . والأول في الأشباه والنظائر 6 / 90 ؛ وشرح أبيات المغني 7 / 301 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 577 ؛ وشرح المفصل 10 / 100 . والثاني هو الإنشاد الثامن عشر بعد الخمسمائة في شرح أبيات المغني للبغدادي ، وهو في شرح شواهد المغني ص 577 ، 735 ؛ ومغني اللبيب 1 / 312 ؛ والمقاصد النحوية 3 / 60 .