محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

893

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

كعب « 1 » بنيه ، فنظر المهلّب في وصيته ، فإذا فيها : يا بنيّ ، كونوا جميعا ، ولا تكونوا شيعا فتفرقوا ، وبرّوا « 2 » قبل أن تبرّوا ، فموت في قوة وعزّ ، خير من حياة في ذلّ وعجز ، فقال المهلّب : صدق البكريّ والحارث . وكتب رجل إلى قوم يحاربونه : إنّي أقسم باللّه قسما يأخذني بالوفاء به ، وأعطيه عهدا يطلبني بصحته ، لئن بشمتم الحقّ صغارا ، وجزتم إلى الباطل اختيارا ، لآتينكم بجنود كزبر الحديد ، لا يردعهم ولا يؤخّرهم التهديد ، آساد ضياغمة في جحافل لجّيّة يلذعونكم « 3 » شبا الأسنّة ، ويجرعونكم ذعاف « 4 » المنيّة ، يبتّون أوصالكم ، ويصرمون آجالكم ، وفي ذلكم بلاء من ربّكم عظيم ، رويدا بقرب اختلاف الطّعان ، وحتف الأقران وسمّ الفرسان ، وتلتقي حلقتا البطان ، فيكثر الوقاع « 5 » ، ويشتدّ النّزاع ، ويبين القراع ، ويفور الشجاع يومئذ لتحسم ذرا الطّامعين في الخلافة بغير حقّها ، وتنفصم عرا المتوسّلين بالباطل إليها ، و « 6 » تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ / تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً . وكتب آخر إلى أخيه : كتبت تشكو جفائي إيّاك بالتّأخّر عن لقائك ، وذلك

--> ( 1 ) بالمخطوط : « الحارث بن زيد » ، وهو خطأ . ( 2 ) في ( مرجع التخريج الأول ) : « ولا تكونوا شتى ، وبزوا » . وأبرّه يبرّه ، وأبرّ عليه : قهره وغلبه ، والإبرار : الغلبة ، والمبرّ : الغالب ( اللّسان : بر ) . ( 3 ) بالمخطوط : « لا يردعكم » تحريف . ( 4 ) بالمخطوط : « يلدونكم » تحريف وخطأ ، وبشمتم الحقّ : سئمتموه وضجرتم منه ، وأصله في الطّعام الإكثار منه حتى يتخم ويسأم . والزّبر من الحديد : ج الزّبرة ، وهي القطعة الضخمة منه ، وفي التنزيل العزيز : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ من الآية 96 : سورة الكهف . والجحافل اللّجّيّة : ج الجحفل ، وهو الجيش الكثير . واللّجّيّ ، المنسوب إلى اللّجّ ، وهو معظم الماء حيث لا يدرك قعره ، ومن البحر عرضه ، ومن الليل : شدة ظلمته وسواده ، والشّبا : ج الشّباة ، وهي رأس السّنان ( تاج العروس : بشم ، زبر ، جحفل ، لج ، شب ) . ( 5 ) الذّعاف : السّمّ يقتل من ساعته . البطان : الحزام ، والوقاع : يقال : وقع - بالعدوّ وقعا ووقعة ، بالغ في قتالهم ، وواقعهم مواقعة ووقاعا : حاربهم . ( 6 ) من الآية الثلاثين من سورة آل عمران ، وأولها : يَوْمَ تَجِدُ . .