محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )

20

جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب

يقول « 1 » : « وعلم اللّه تعالى أنّ هذا الكتاب لم يصدر إلّا عن صدر مكلوم الأحناء ، وفكر خامد الذكاء ، بين دهر متلون تلون الحرباء لانتباذي كان من شنترين « 2 » قاصية الغرب ، مفلول الغرب ، مروّع السّرب ، بعد أن استنفد الطريف والتلاد ، وأتى على الظاهر والباطن النفاد ، بتواتر طوائف الروم علينا في عقر ذلك الإقليم ، وقد كنا غنينا هناك بكرم الانتساب عن سوء الاكتساب ، واجتزأنا بمذخور العتاد عن التقلب في البلاد إلى أن نثر علينا الروم ذلك النظام ، ولو ترك القطا ليلا لنام ، وحين اشتد الهول هنالك ، اقتحمت بمن معي المسالك على مهامه تكذّب فيها العين الأذن ، وتستشعر فيها المحن . . . مهامه لم تصحب بها الذئب نفسه * ولا حملت فيها الغراب قوادمه حتى خلصت خلوص الزّبرقان من سراره ، وفزت فوز القدح عند قماره ، فوصلت حمص بنفس قد تقطّعت شعاعا ، وذهب أكثرها التياعا ، وليتني عشت منها بالذي فضلا ! فتغرّبت بها سنوات أتبوأ منها ظل الغمامة ، وأعيا بالتحول عنها عيّ

--> ( 1 ) الذخيرة 1 / 19 . ( 2 ) تقع « شنترين Santarem » في البرتغال اليوم على بعد ( 67 ) كيلا من الشمال الشرقي من الأشبونة ( Lesbon ) ؛ استولى عليها الأذفونش الخامس القشتالي سنة 485 ه ، فاضطر ابن بسام إلى الفرار عنها . وشنترين بالأندلس معدودة في كورباجة وعلى نهرها ، مدينة على جبل عال كثير العلو جدا ، ولها من جهة القبلة حافة عظيمة ولا سور لها ، وبأسفلها ربض على طول النهر ، وشرب أهلها من العيون ، ولها بساتين كثيرة وفواكه ومباقل وبينها وبين بطليوس أربع مراحل . وهي أكرم الأرضين ، ونهرها يفيض على بطحائها كفيض نيل مصر . . . ومن أقاليمها صقلب ، وهي أطيب بقاع الأرض . . . ولها جزائر في البحر مسكونة ، وكانت جبايتها ألفين وتسع مئة دينار ، وأحوازها متصلة بأحواز باجة ، وكان يوسف بن عبد المؤمن ملك المغرب اجتاز عليها في حركته الأندلسية بعسكره ، وهو أربعون ألفا من أنجاد العرب الفرسان ومن الموحدين والجنود والمطّوعة وفرسان الأندلس وأجنادها ما ينيف على مئة ألف فارس ، وبرز أسطوله على الأشبونة ، وحاصرها عشرين يوما ونزل على أعظم قواعد ابن الرنق عدو المغرب ، وكان مؤذيا للمسلمين من قاعدته ، وهي شنترين هذه ، فبرز عليها في أمم لا تحصى ، وهناك عرض له المرض الذي توفي فيه سنة ثمانين وخمس مئة ه ، فتقدم للأمر ولده يعقوب المنصور فقفل بالناس إلى إشبيلية ، فبويع بها ، ورجع إلى مراكش ( معجم البلدان ، والروض المعطار / شنترين 346 ونفح الطيب 4 / 379 . ودائرة المعارف الاسلامية 13 / 283 وتاريخ النقد الأدبي في الأندلس ص 432 ) .