أحمد زكي صفوت

8

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فأمّا اللعين بابك وكفرته ، فإنهم كانوا يغزون أكثر مما يغزون ، وينالون أكثر مما ينال منهم ، ومنهم المنحرفون عن الموادعة ، المتوحّشون عن المراسلة ، ومن أديلوا « 1 » من تتابع الدول ، ولم يخافوا عاقبة تدركهم ، ولا دائرة « 2 » تدور عليهم وكان مما وطّأ ذلك ومكنه لهم ، أنهم قوم ابتدءوا أمرهم على حال تشاغل السلطان ، وتتابع من الفتن ، واضطراب من الحبل ، فاستقبلوا أمرهم بعزّة من أنفسهم ، وضعف واستئارة ممن باراهم ، فأجلوا من حولهم لتخلص البلاد لهم ، ثم أخربوا البلاد ليعزّ مطلبهم ، وتشتدّ المؤنة ، وتعظم الكلفة ، ويقووا في ذات أيديهم ، فلم يتواف إليهم قوّاد السلطان إلا وقد توافت إليهم القوة من كل جانب ، فاستفحل أمرهم ، وعظمت شوكتهم ، واشتدت ضروراتهم ، واستجمع لهم كيدهم ، وكثر عددهم واعتدادهم ، وتمكّنت الهيبة في صدور الناس منهم ، وتحقّق في نفوسهم أن كلّ ما يعدهم الكافر ويمنّيهم أخذ باليد ، وكان الذي بقي عندهم منه كالذي مضى وبدون هذا ما يختدع الأريب ، ويستنزل العاقل ، ويعتقل الفطن ، فكيف بمن لا فكرة له ولا روية عنده ! هذا مع كل ما يقوم في قلوبهم من حسد أهل النعم ، ومنافستهم على ما في أيديهم ، وتقطّعهم حسرات في إثر ما خصّوا به ، وأنهم إن لا يكونوا يرون أنفسهم أحقّ بذلك ، فإنهم يرون أنهم فيه سواء . ولم يزل أمير المؤمنين قبل أن تفضى إليه الخلافة ، مادّا عنقه ، موجّها همّته ، إلى أن يولّيه اللّه أمر هؤلاء الكفرة ، ويملّكه حربهم ، ويجعله المقارع « 3 » لهم عن دينه ، والمناجز لهم عن حقه ، فلم يكن يألوا « 4 » في ذلك حرصا وطلبا واحتيالا ، فكان أمير المؤمنين - رضى اللّه عنه - يأبى ذلك لضنّه به ، وصيانته بقربه ،

--> ( 1 ) الإدالة : الغلبة ، أداله اللّه من عدوه . ( 2 ) الدائرة : الهزيمة . ( 3 ) المقارعة : المناضلة . ( 4 ) ألا ، يألو : قصر .