أحمد زكي صفوت

57

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

مجرّدا بعد سحبه ! ؟ وهي الخرزة « 1 » التي جعلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كفئا لبناته « 2 » وأياماه وعقائله ، بعد السبّ والتعطيش والحصر الشديد ، والمنع من القوت ، مع احتجاجه عليهم وإفحامه لهم ، ومع اجتماعهم على أن دم الفاسق حرام كدم المؤمن ، إلا من ارتدّ بعد إسلام ، أو زنى بعد إحصان « 3 » أو قتل مؤمنا على عمد ، أو رجل عدا على الناس بسيفه ، فكان في امتناعهم منه عطبه « 4 » ، ومع اجتماعهم على ألا يقتل من هذه الأمة مولّ ، ولا يجهز منها على جريح ، ثم مع ذلك كله ذمروا « 5 » عليه وعلى أزواجه وحرمه ، وهو جالس في محرابه ، ومصحفه يلوح في حجره ، لن يرى أن موحّدا يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله . لا جرم « 6 » لقد احتلبوا به دما لا تطير رغوته ، ولا تسكن فورته ، ولا يموت ثائره ، ولا يكلّ طالبه ، وكيف يضّيع اللّه دم وليّه ، والمنتقم له ! ؟ وما سمعنا بدم بعد دم يحيى « 7 » بن زكريا عليهما السلام غلا غليانه ، وقتل سافحه « 8 » وأدرك بطائلته ، وبلغ كل محبته ، كدمه ، رحمة اللّه عليه . ولقد كان لهم في أخذه وفي إقامته للناس ، والاقتصاص منه ، وفي بيع ما ظهر من رباعه « 9 » وحدائقه وسائر أمواله ، وفي حبسه بما بقي عليه ، وفي طمره « 10 » حتى لا يحسّ بذكره ، ما يغنيهم عن قتله إن كان قد ركب كلّ ما قذفوه به ،

--> ( 1 ) الخرزة : الجوهرة ، وفي الأصل « الجزرة » وهو تحريف . ( 2 ) تزوج عثمان رقية وأم كلثوم ابنتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والأيامى جمع أيم ، وامرأة أيم : لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا ، والعقائل جمع عقيلة ، وعقيلة كل شئ أكرمه . ( 3 ) أحصن الرجل : تزوج . ( 4 ) أي هلاكه . ( 5 ) الذمر : الحض والتهدد ، وفعله كنصر . ( 6 ) لا جرم : كلمة كانت في الأصل بمنزلة لا بد ، ولا محالة ، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم ، وصارت بمنزله حقا ، فلذلك يجاب عنها باللام كما يجاب بها عن القسم . ( 7 ) مات يحيى مقتولا - انظر تفصيل الخبر في ذلك في تاريخ الطبري 2 : 16 . ( 8 ) سفيح دمه كقطعه : سفكه ، والطائلة : الثأر . ( 9 ) الرباع جمع ربع : وهو المنزل . ( 10 ) الطمر : الخبء .