أحمد زكي صفوت
52
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
عذر ، ولا في تضييع حق ذي الحجة حجة ، ومن أشدّ جهلا ، وأفظع عذرا ، ممن لم يعرف النعمة ، ولم يقبل العافية ؟ نعوذ باللّه أن نكون من الذين لا يعقلون . فتفهّموا ما أنا ذاكر لكم ، وتدبّروه بالحق والعدل ، فإن المرء ناظر بإحدى عيون ثلاث ، وهما الغاشّتان والصادقة - وهي التي لا تكاد توجد - : عين مودة تريه القبيح حسنا ، وعين شنآن « 1 » تريه الحسن قبيحا ، وعين عدل تريه حسنها حسنا ، وقبيحها قبيحا . فتفكّروا فيما جمع اللّه لأمير المؤمنين في معدنه وفي سيرته ، وفيما ظاهر عليكم من النعمة والحق والحجة بذلك فيما عسى القائل أن يبتغى فيه المغمز والمقال ، فلعمري إن للشيطان من أهواء الناس وألسنتهم في الأمر لنصيبا ، وإنه لمستراحا بينهم ، يستوفيهم أمنيّته ، ويصدّق عليهم ظنّه ، ويوحى إليهم بمكايده ، فجعل اللّه كيده ضعيفا ، وحزبه مغلوبا ، وجعله وإياهم نصيبا لجهنم من أجزائه المقسومة لأبوابها وحطبها ووقودها وحصبها « 2 » ليعدل لها . فمن كان سائلا عن حق أمير المؤمنين في معدنه ، فإن أعظم حقوق الناس منزلة ، وأكرمها نسبة ، وأولاها بالفضل ، حقّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نبي الرحمة ، وإمام الهدى ، ووارث الكتاب والنبوة ، والمهيمن « 3 » عليهما ، وخاتم النبيين والصّدّيقين والشهداء والصالحين ، بعثه اللّه بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، ثم هو باعثه يوم القيامة مقاما محمودا ، شرع اللّه به دينه ، وأتمّ به نوره على عهده ، ومحق رؤوس الضلالة ، وجبابرة الكفر ، وخوّله الشفاعة ، وجعله في الرّفيق الأعلى ، صلى اللّه عليه وسلم » . ( اختيار المنظوم والمنثور 12 : 160 )
--> ( 1 ) الشنآن : البغض والكراهية . ( 2 ) الحصب : الحطب : وما يرمى به في النار . ( 3 ) المهيمن : الأمين أو المؤتمن أو الشاهد .