أحمد زكي صفوت
42
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وما خرج من مصر فضلا عن حقوق أهل المدينة ومكة ، بأن يجعل أمير المؤمنين ديوان مقاتلتهم ديوانهم ، أو يزيد ، أو ينقص ، غير أنه يأخذ أهل القوة والغناء « 1 » وخفّة المؤنة والخفّة في الطاعة ، ولا يفضّل أحدا منهم على أحد ، إلا على خاصّة معلومة ، ويكون الديوان كالغرض المستأنف ، ويأمر لكل جند من أجناد أهل الشام بعدّة من العيال يقترعون عليها ، ويسوّى بينهم فيما لم يكونوا أسوة فيه فيمن مات من عيالاتهم ، ولا يضيع أحدا « 2 » من المسلمين . وأمّا ما يتخوف المتخوّفون من نزواتهم ، فلعمري لئن أخذوا بالحق - ولم يؤخذوا به - إنهم لخلقاء أن يكون لهم نزوات ونزقات « 3 » ، ولكنّا على مثل اليقين - بحمد اللّه - من أنهم لم يشركوا يذلك إلا أنفسهم ، وأن الدائرة لأمير المؤمنين عليهم آخر الدهر إن شاء اللّه ، فإنه لم يخرج الملك من قوم إلّا بقيت فيهم بقية يتوثبون بها ، ثم كان ذلك التوثّب هو سبب استئصالهم وتدويخهم . ومما يذكّر به أمير المؤمنين أمر أصحابه ، فإن من أولى أمر الوالي منه بالتثبّت والتحيّر ، أمر أصحابه الذين هم بهاء فنائه « 4 » ، وزينة مجلسه ، وألسنة رعيته ، والأعوان على رأيه ، ومواضع كرامته ، والخاصّة من عامّته ، فإن أمر هذه الصّحابة قد عمل فيه من كان وليه من الوزراء « 5 » والكتّاب قبل خلافة أمير المؤمنين عملا قبيحا مفرط القبح ، مفسدا للحسب والأدب والسياسة ، داعيا للأشرار ، طاردا للأخيار ، فصارت صحبة الخليط « 6 » أمرا سخيفا ، فطمع فيه الأوغاد ، وتزهّد فيه من كان يرغب فيما دونه ، حتى إذا لقينا « 7 » أبا العباس - رحمة اللّه عليه - وكنت في ناس من صلحاء أهل البصرة
--> ( 1 ) الغناء : الكفاية . ( 2 ) في الأصل « ولا يصنع بأحد » وأراه محرفا . ( 3 ) نزوات جمع نزوة كوردة ، فعلة من النزو بالسكون وهو الوثوب ، ونزقات جمع نزقة كنزوة أيضا ، فعلة من النزق بالكون ، نزق الفرس كسمع ونصر وضرب نزقا ونزوقا : نزا أو تقدم خفة ووثب ، أو من النزق بالتحريك ، نزق كفرح : طاش وخف عند الغضب . ( 4 ) فناء الدار : ما اتسع من أمامها . ( 5 ) في الأصل « الوزارة » وهو تحريف . ( 6 ) الخليط : الشريك والمخالط . ( 7 ) في الأصل « التقينا » وهو تحريف .