أحمد زكي صفوت
33
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
يفزعه صغير القنابر « 1 » ؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف ؟ فامض الآن لطيّتك « 2 » ، واجهد جهدك « 3 » ، فلست أنزل إلا بحيث تكره ، ولا أجتهد إلا فيما يسوءك ، وستعلم أيّنا الخاضع لصاحبه ، الطالع إليه ، والسلام » . ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 68 ) 29 - رد معاوية على زياد فلما ورد كتاب زياد على معاوية غمّه وأحزنه « 4 » ، ثم كتب إليه مع المغيرة ابن شعبة :
--> ( 1 ) البازي : واحد البزاة التي تصيد ، ضرب من الصقور ، القبر كسكر : ضرب من العصافير واحدته قبرة والقنبراء بضم الباء وفتحها لغة فيها والجمع القنابر ، والعامة تقول القنبرة بالضم ، وقد جاء ذلك في الرجز * جاء الشتاء واجثأل القنبر * ( اجثأل الطائر : نقش ريشه ) . ( 2 ) الطية : الناحية ، والحاجة والوطر ، فهي تكون منزلا وتكون منتوى ، ومضى لطيته أي لوجهه وقصده الذي يريده ولنيته التي انتواها . ( 3 ) الجهد بالفتح ويضم : الطاقة ، واجهد جهدك : أبلغ غايتك . ( 4 ) روى ابن أبي الحديد قال : « وبعث إلى المغيرة بن شعبة فخلابه وقال : يا مغيرة ، إني أريد مشاورتك في أمر أهمنى ، فانصحني فيه وأشر على برأي المجتهد ، وكن لي أكن لك ، فقد خصصتك بسرى وآثرتك على ولدى ، قال المغيرة : فما ذاك ؟ واللّه لتجدني في طاعتك أمضى من الماء في الحدور ، ومن ذي الرونق في كف البطل الشجاع ، قال : يا مغيرة إن زيادا قد أقام بفارس يكش لنا كشيش الأفاعي ( كشيش الأفعى : صوتها من جلدها لا من فيها ، وفعله كضرب ) وهو رجل ثاقب الرأي ماضي العزيمة جوال الفكر مصيب إذا رمى ، وقد خفت منه الآن ما كنت آمنه إذ كان صاحبه حيا ، وأخشى ممالأته حسنا فكيف السبيل إليه ، وما الحيلة في إصلاح رأيه ؟ قال المغيرة : أنا له إن لم أمت ، إن زيادا رجل يحب الشرف والذكر وصعود المنابر ، فلو لا طفته المسألة وألنت له الكتاب ، لكان لك أميل وبك أوثق ، فاكتب إليه وأنا الرسول ، ورحل المغيرة بالكتاب حتى قدم فارس ، فلما رآه زياد قربه وأدناه ولطف به فدفع إليه الكتاب فجعل يتأمله ويضحك ، وكان مما قاله له المغيرة : دع عنك اللجاج يرحمك اللّه وارجع إلى قومك وصل أخاك وانظر لنفسك ولا تقطع رحمك ، قال زياد : إني رجل صاحب أناة ، ولى في أمرى روية ، فلا تعجل على ولا تبدأنى بشئ حتى أبدأك » وقال صاحب العقد : ( 3 : 3 ) وكان المغيرة لزياد صديقا ، وذلك أن زيادا كان أحد الشهود الأربعة الذين شهدوا على المغيرة ( أي بالزنا ) وهو الذي تلجلج في شهادته عند عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، فنجا المغيرة وجلد الثلاثة من الشهود وفيهم أبو بكرة أخو زياد . . . قال زياد للمغيرة : أشر على وارم الغرض الأقصى ، فإن المستشار مؤتمن ، قال أرى أن تصل حبلك بحبله وتسير إليه وتعير الناس أذنا صماء وعينا عمياء . . . وقد عمل بمشورة المغيرة وسار إلى معاوية .