أحمد زكي صفوت
522
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
الأزدىّ بكتابك تذكر فيه أنك لقيت عبد اللّه بن سعد ابن أبي سرح مقبلا من قديد « 1 » في نحو من أربعين شابّا من أبناء الطّلقاء ، متوجّهين إلى جهة المغرب ، وإنك تنبئ عن ابن أبي سرح ! طالما كاد اللّه ورسوله وكتابه ، وصدّ عن سبيله ، وبغاها عوجا « 2 » ، فدع ابن أبي سرح عنك ، ودع قريشا وخلّهم وتركاضهم في الضلال ، وتجوالهم في الشّقاق ، وجماحهم في التّيه ، فإن قريشا قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل اليوم ، فأصبحوا قد جهلوا حقّه ، وجحدوا فضله ، وكادوه بالعداوة ، ونصبوا له الحرب ، وحهدوا عليه كل الجهد ، وجرّوا إليه جيش الأحزاب ، وجدّوا في إطفاء نور اللّه ، اللهم فاجز عنى قريشا الجوازي « 3 » ، فقد قطعت رحمي ، وتظاهرت « 4 » علىّ ، ودفعتني عن حقي ، وسلبتنى سلطان ابن أمي « 5 » ، وسلّمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول ، وسابقتى في الإسلام ، إلّا أن يدّعى مدّع ما لا أعرفه ، ولا أظن اللّه يعرفه ، والحمد للّه على كل حال .
--> ( 1 ) قديد : اسم موضع قرب مكة . ( 2 ) من خبره أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان في غزوة الفتح قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة ، أن لا يقتلوا أحدا إلا من قاتلهم ، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم ، أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ، منهم عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح أخو بنى عامر بن لؤي وإنما أمر رسول اللّه بقتله ، لأنه قد كان أسلم ، وكان يكتب لرسول اللّه الوحي ، فارتد مشركا راجعا إلى قريش - ففر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاع ، فغيبه حتى أتى به رسول اللّه بعد أن اطمأن أهل مكة ، فاستأمنه له ، فصمت رسول اللّه طويلا ثم قال : نعم ، فلما انصرف به عثمان ، قال رسول اللّه لمن حوله من أصحابه : أما واللّه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ، فقال رجل من الأنصار فهلا أو مأت إلى يا رسول اللّه ! قال : إن النبي لا يقتل بالإشارة - انظر تاريخ الطبري 3 : 119 وسيرة ابن هشام 2 : 271 . ( 3 ) الجوازي جمع جازية : والجازية ، الجزاء مصدر على فاعلة كالعافية ، ويجوز أن يكون لجوازى جمع جزاء لمشابهة اسم الفاعل للمصدر ، فكما جمع سيل على سوائل كذلك يجوز أن يكون الجوازي جمع جزاء ، والمعنى : اللهم اجز قريشا عنى ما تستحقه من الجزاء لما صنعت بي . ( 4 ) أي تعاونت . ( 5 ) يعنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأم على هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وقد أسلمت بعد عشر من المسلمين فكانت الحادي عشر ، وكان رسول اللّه يكرمها ويعظمها ويدعوها « أمي » وقد قال : لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها - انظر شرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 5 وقال ابن أبي الحديد في تعليل التعبير « بابن أمي » لأنهما ابنا فاطمة بنت عمرو عمران بن عائذ بن مخزوم أم عبد اللّه وأبى طالب ، ولم يقل سلطان ابن أبي ، لأن غير أبى طالب من الأعمام يشركه في النسب إلى عبد المطلب » -