أحمد زكي صفوت

479

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

503 - كتاب علىّ إلى الأشتر وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر ، وبلغ عليّا وثوب أهلها عليه « 1 » ، وكان علىّ حين انصرف من صفين رد مالك بن الحارث الأشتر على عمله بالجزيرة ، فلما انقضى أمر الحكومة كتب علىّ إلى الأشتر - وهو يومئذ بنصيبين « 2 » : « السلام عليك يا مالك ، أما بعد : فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين ، وأقمع به نخوة « 3 » الأثيم ، وأسدّ به الثّغر المخوف ، وكنت قد وليت محمد بن أبي بكر مصر ، فخرجت عليه بها خوارج ، وهو غلام حدث السّن غرّ ليس بذى تجربة للحرب ، ولا بمجرّب للأشياء ، فأقدم علىّ للننظر فيما ينبغي ، واستخلف على عملك أهل الثّقة والنصيحة من أصحابك ، والسلام » . فأقبل إليه ، فقال له : ليس لها غيرك ، وولاه إياه ، فخرج الأشتر إلى مصر ، ولكنه مات بالعريش مسموما « 4 » . ( تاريخ الطبري 6 : 54 ، شرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 29 ، والنجوم الزاهرة 1 : 103 )

--> ( 1 ) وذلك أن محمد بن أبي بكر لم يلبث بعد توليه مصر شهرا كاملا ، حتى بعث إلى أولئك القوم المعتزلين بخربتا - الذين كان قيس وادعهم - فقال : يا هؤلاء ، إما أن تدخلوا في طاعتنا ، وإما أن تخرجوا من بلادنا ، فبعثوا إليه : إنا لا نفعل ، دعنا حتى ننظر إلام تصير إليه أمورنا ؟ ولا تعجل بحربنا ، فأبى عليهم فامتنعوا منه وأخذوا حذرهم ، فكانت وقعة صفين ، وهم لمحمد هائبون ، فلما أتاهم صبر معاوية وأهل الشأم لعلى ، وأن عليا وأهل العراق قد رجعوا عن معاوية وأهل الشأم ، وصار أمرهم إلى الحكومة ، اجترءوا على محمد بن أبي بكر ، وأظهروا له المبارزة ، فبعث إليهم الحارث بن جمهان الجعفي فقاتلهم فقتلوه ، ثم بعث إليهم رجلا من كلب يدعى ابن مضاهم فقتلوه ، ثم خرج معاوية بن حديج الكندي فدعا إلى الطلب بدم عثمان ، فأجابه ناس آخرون ، وفسدت مصر على ابن أبي بكر - انظر تاريخ الطبري 5 : 232 و 6 : 54 - . ( 2 ) مدينة من بلاد الجزيرة . ( 3 ) النخوة . الكبر والعظمة ، وقمعه كمنعه : قهره وذلله والثغر : موضع المخافة من فروج البلدان . ( 4 ) وذلك أن الأشتر لما تهيأ للخروج إلى مصر ، أتت معاوية عيونه ، فأخبروه الخبر ، فعظم ذلك عليه ، وكان قد طمع في مصر ، وعلم أن الأشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر ، وسار الأشتر بجيش إلى مصر ، فبعث معاوية إلى دهقان بالعريش ، فقال له : إن الأشتر قد ولى مصر ، فإن أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت ، فاحتل له بما قدرت عليه ، فلما نزل الأشتر العريش ، سأل الدهقان :