أحمد زكي صفوت

468

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا من الدنيا بما حظى به المترفون ، وأخذوا منها ما أخذ الجبابرة المتكبّرون ، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ ، والمتجر الرّابح ، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم ، وتيقّنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم ، لا تردّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة ، فاحذروا عباد اللّه الموت وقربه ، وأعدّوا له عدّته ، فإنه يأتي بأمر عظيم ، وخطب جليل : بخير لا يكون معه شرّ أبدا ، أو شرّ لا يكون معه خير أبدا ، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها « 1 » ؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها ؟ وأنتم طرداء « 2 » الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، وهو ألزم لكم من ظلّكم ، الموت معقود بنواصيكم ، والدنيا تطوى من خلفكم ، فاحذروا نارا قعرها بعيد ، وحرّها شديد ، وعذابها جديد ، دار ليس فيها رحمة ، ولا تسمع فيها دعوة ، ولا تفرّج فيها كربة ، وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من اللّه ، وأن يحسن ظنكم به ، فاجمعوا بينهما ، فإن العبد إنما يكون حسن ظنه بربّه ، على قدر خوفه من ربه ، وإن أحسن الناس ظنا باللّه أشدّهم خوفا للّه . واعلم يا محمد بن أبي بكر أنّى قد ولّيتك أعظم أجنادى في نفسي : أهل مصر ، فأنت محقوق أن تخالف على نفسك ، وأن تنافح « 3 » عن دينك ، ولو لم يكن لك إلا ساعة من الدهر ، ولا تسخط اللّه برضا أحد من خلقه ، فإن في اللّه خلفا من غيره ، وليس من اللّه خلف في غيره . صلّ الصلاة لوقتها الموقّت لها ، ولا تعجّل وقتها لفراغ ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال ، واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك . ومنه : فإنه لا سواء إمام الهدى ، وإمام الرّدى « 4 » ، وولىّ النبي ، وعدوّ النبي ،

--> ( 1 ) أي من العامل لها . ( 2 ) طرداء : جمع طريد ، أي يطرد كم عن أوطانكم ويخرجكم منها . ( 3 ) أي حقيق وجدير وخليق ، ونافحه : كافحه ودافعه . ( 4 ) يعنى بإمام الهدى نفسه ، وبإمام الردى معاوية كما سيرد عليك بعد .