أحمد زكي صفوت
412
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
إلى الدنيا الفانية . واعلم أن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلى ، بدأها علىّ بالحق ، وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغى ، وانتهى فيها إلى السّرف ، وليس أهل الشأم فيها كأهل العراق : بايع أهل العراق عليّا وهو خير منهم ، وبايع أهل الشأم معاوية وهم خير منه ، ولست أنا وأنت فيها سواء : أردت اللّه ، وأنت أردت مصر ، وقد عرفت الشئ الذي باعدك منى ، ولا أعرف الشئ الذي قرّبك من معاوية ، فإن ترد شرا لا نسبقك به ، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه ، والسلام » . ثم دعا أخاه الفضل فقال : يا بن أمّ أجبه ، فقال الفضل : يا عمرو : حسبك من مكر ووسواس * فاذهب فليس لداء الجهل من آسى « 1 » إلّا تواتر طعن في نحوركم * يشجى النفوس ويشفى نخوة الرأس « 2 » أمّا علىّ فإن اللّه فضّله * بفضل ذي شرف عال على الناس « 3 » إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيّسة * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس « 4 » قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة * هذا بهذا ، وما بالحق من باس ثم عرض الشعر والكتاب على علىّ عليه السلام ، فقال : لا أراه يجيبك بعدها أبدا بشئ إن كان يعقل ، وإن عاد عدت عليه ، فلما انتهى الكتاب إلى عمرو بن العاص عرضه على معاوية فقال : إن قلب ابن عباس وقلب على قلب واحد ، وكلاهما ولد عبد المطلب ، وإن كان قد خشن فلقد لان ، وإن كان قد تعظّم وعظّم صاحبه فلقد قارب وجنح إلى السّلم . ( شرح ابن أبي الحديد م 2 : ص 88 والإمامة والسياسة 1 : 84 )
--> ( 1 ) وسوست إليه نفسه أو الشيطان : حدثته بما لا نفع فيه ولا خير ، والمصدر وسوسة ووسواس بكسر الواو في الثاني ، والوسواس بالفتح : اسم منه . ( 2 ) التواتر : التتابع ، وشجاه : حزنه وطربه كأشجاه فيهما ، ضد ، ويصح المعنيان في البيت أي يحزن نفوسكم ، أو يسر نفوسنا ، والنخوة : الكر والعظمة . ( 3 ) بفضل ذي شرف : أي بفضل نى ذي شرف . ( 4 ) من عقل الدابة إذا قيدها وحبسها ، والمعنى : إن تكفوا عن الحرب . وخيسه تخييسا : ذلله والأنكاس جمع نكس بالكسر : وهو الرجل الضعيف والمقصر عن غاية النجدة والكرم .