أحمد زكي صفوت

406

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

والقبائل من لدن الصباح إلى المساء إلّا على قعبية « 1 » ، فإن دهمكم عدوّ أو غشيكم مكروه كنتم قد تقدّمتم في التعبية ، فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم فليكن معسكركم في قبل الأشراف « 2 » ، وأسفاح الجبال ، وأثناء الأنهار ، كيما يكون ذلك لكم ردءا ، وتكون مقاتلتكم من وجه واحد ، أو اثنين ، واجعلوا رقباء كما في صياصي « 3 » الجبال ، وبأعالي الأشراف ، ومناكب الأنهار ، يرون لكم ، لا يأتيكم عدوّ من مكان مخافة أو أمن ، وإياكم والتفرق ، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا ، وإذا رحتم فارحلوا جميعا ، فإذا غشيكم الليل فنزلتم فحفّوا عسكركم بالرّماح والتّرسة ، ولتكن رماتكم من وراء تراسكم ، ورماحكم يلونهم ، وما أقمتم فكذلك فافعلوا ، كي لا يصاب لكم غفلة ، ولا يلفى لكم غرّة ، فما قوم يحفّون عسكرهم برماحهم وترستهم من ليل أو نهار ، إلا كانوا كأنهم في حصون ، واحرسا عسكركما بأنفسكما ، وإياكما أن تذوقا نوما حتى تصبحا إلا غرارا « 4 » أو مضمضة ، ثم ليكن ذلك شأنكما ودأبكما حتى تنتهيا إلى عدو كما ، وليكن كلّ يوم عندي خبر كما ورسول من قبلكما ، فإني - ولا شئ إلا ما شاء اللّه - حثيث « 5 » السير في إثركما ، وعليكما في جريكما بالتّؤدة ، وإياكما والعجلة إلا أن تمكنكما فرصة بعد الإعذار والحجة ، وإياكما أن تقاتلا حتى أقدم عليكما ، إلا أن تبدأا ، أو يأتيكما أمرى إن شاء اللّه » . ( شرح ابن أبي الحديد م 1 : ص 285 )

--> ( 1 ) في الأصل « بقية » وهو تحريف . ( 2 ) الأشراف : جمع شرف بالتحريك وهو المكان العالي . وقبل الجبل بضمة وبضمتين . صفحه ، وهو أصلة أو الحضيض الأسفل ، وقد ورد في كتب اللغة جمعه على سفوح ، والأثناء جمع ثنى بالكسر وثنى النهر منعطفه ، والردء : العون . ( 3 ) الصياصي جمع صيصية : وهي كل ما امتنع به وتحصن . ( 4 ) الغرار : القليل من النوم ، ومضمض النعاس في عينه : دب ، وما مضمضت عيني بنوم أي ما نامت . ( 5 ) أي سريع .