أحمد زكي صفوت

400

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

أن تذمّ فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت ، وما على المسلم من غضاضة « 1 » في أن يكون مظلوما ، ما لم يكن شاكّا في دينه ، ولا مرتابا بيقينه ، وهذه حجّتى إلى غيرك قصدها « 2 » ، ولكني أطلقت لك منها بقدر ما سنح « 3 » من ذكرها . ثم ذكرت ما كان من أمرى وأمر عثمان ، فلك أن تجاب عن هذه ، لرحمك « 4 » منه ، فأيّنا كان أعدى « 5 » له ، وأهدى إلى مقاتله ، أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه « 6 » ، أم من استنصره فتراخى عنه « 7 » ، وبث المنون إليه ، حتى أتى قدره عليه ؟ كلّا واللّه ، لقد علم اللّه المعوّقين « 8 » منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا ولا يأتون البأس إلّا قليلا . وما كنت لأعتذر من أبى كنت « 9 » أنقم عليه أحداثا ، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له ، فربّ ملوم لا ذنب له « 10 » .

--> ( 1 ) غض منه : نقص ووضع من قدره . ( 2 ) أي إني إذا احتججت لحقى في الخلافة فإنما أحتج إلى غيرك لا إليك ، إذ ليس لك في الخلافة شان . ( 3 ) أي عرض . ( 4 ) الرحم : القرابة . ( 5 ) أي أشد عدوانا ، والمقاتل : وجوه القتل . ( 6 ) استقعده واستكفه : طلب قعوده وكفه ، ويعنى « بمن بذل له نصرته » نفسه فقد كان للإمام علي عليه السلام في الدفاع عن عثمان موقف مجيد لا ينكره إلا كل مكابر ، وقد قال : « واللّه ما زلت أذب عنه حتى إني لأستحى » وقال أيضا : « واللّه لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما » وبعث إليه بالماء حين منعه عنه المحاصرون ، كما بعث إليه بابنيه الحسن والحسين ومواليه للذب عن داره ، وقال لا بنيه : اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحدا يصل إليه بمكروه ، وقد خضب الحسن بالدماء في سبيل مدافعة الثوار وشج قنبر مولى على ، حتى قال عثمان للحسن : إن أباك الآن لفى أمر عظيم فأقسمت عليك لما خرجت ، فأبى وشاء اللّه أن ينفذ القضاء في عثمان فجاء على فقال لا بنيه : كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب ولطم الحسن وضرب الحسين ، وقد فصلنا القول في هذا الموضوع في كتابنا « ترجمة علي بن أبي طالب باب مقتل عثمان » . ( 7 ) يعنى به معاوية ، وقد كان عثمان كتب إليه يستنصره فتربص به ( انظر ما قدمناه في ص 277 ) والمنون : الموت ، وبث المنون إليه : أي أنه تقاعس عن نصرته فأفضى ذلك إلى بلوغ الثوار مأربهم فيه فقتلوه . ( 8 ) أي المانعين من النصرة . ( 9 ) نقم منه كضرب وعلم : عابه ، والأحداث جمع حدث كسبب وهو البدعة . ( 10 ) هو مثل من قول أكثم بن صيفي يقول : قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه وهم لا يعرفون حجته وعذره فهو يلام عليه .