أحمد زكي صفوت

28

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

عرفه الكيّس والأحمق . الوحشة ذهاب الأعلام « 1 » . البطر عند الرخاء حمق ، والعجز عند البلاء أفن « 2 » . لا تغضبوا من اليسير فرّبما جنى الكثير . لا تجيبوا فيما لم تسألوا عنه ، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه . حيلة من لا حيلة له الصّبر ، كونوا جميعا فإن الجمع غالب ، تثبّتوا ولا تسارعوا فإنّ أحزم الفريقين الرّكين . ربّ عجلة تهب ريثا « 3 » . ادّرعوا الليل واتّخذوه جملا ، فإن الليل أخفى للويل ، ولا جماعة لمن اختلف . تناءوا في الديار ولا تباغضوا ، فإنه من يجتمع يتقعقع « 4 » عمده . ألزموا النساء المهابة « 5 » ، نعم لهو الغرّة المغزل . إن تعش تر ما لم تره ، قد أقرّ صامت ، المكثار كحاطب « 6 » ليل ، من أكثر أسقط « 7 » . لا تجعلوا سرّا إلى أمة . لا تفرّقوا في القبائل ، فإن الغريب بكل مكان مظلوم . عاقدوا الثّروة « 8 » ، وإياكم والوشائظ « 9 » ، فإن مع القلة الذّلّة ، لو سئلت العاريّة قالت : أبغى لأهلى ذلّا . الرسول مبلّغ غير ملوم . من فسدت بطانته غصّ بالماء . أساء سمعا فأساء جابة « 10 » ، الدّالّ على الخير كفاعله . إن المسألة من أضعف المسكنة ، قد تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها « 11 » ، لم يجر سالك القصد ،

--> ( 1 ) الأعلام جمع علم بالتحريك ، وهو سيد القوم . ( 2 ) الأفن : ضعف الرأي والعقل . وفي الأصل : « أمن » : وهو تحريف . ( 3 ) الركين : الرزين . والريث : الإبطاء . ( 4 ) تقعقع : اضطرب وتحرك . وفي الأصل : « غنده » بدل « عمده » ، وهو تحريف ، وهذا مثل معناه : لا بد من الافتراق بعد الاجتماع . أو معناه : إذا اجتمع القوم وتقاربوا وقع بينهم الشر فتفرقوا ، أو من غبط بكثرة العدد واتساق الأمر فهو بمعرض الزوال والانتشار . ( 5 ) أي أن يهبنكم ويوقرنكم وفي الأصل : « المهانة » وهو تصحيف . والغرة : الشريفة . ( 6 ) الحاطب : الذي يجمع الحطب ، وهو حاطب ليل : أي مخلط في كلامه . ( 7 ) أسقط كلمة ، وأسقط في كلمة : أخطأ . ( 8 ) عاقدوا : حالفوا . والثروة : كثرة العدد من الناس . ( 9 ) يقال : هم وشيظة في قومهم : أي حشوفيهم . ( 10 ) جابة أي بمعنى إجابة : اسم وضع موضع المصدر ومثلها الطاعة والطاقة والغارة والعارة قال المفضل : أول من قال ذلك سهيل بن عمرو ، وكان تزوج صفية بنت أبي جهل بن أبي هشام ، فولدت له أنس بن سهيل ، فخرج معه ذات يوم ، فوقف بحزورة مكة ( والحزورة كقسورة : الرابية الصغيرة ) . فأقبل الأخنس بن شريق الثقفي . فقال ، من هذا ؟ قال سهيل ابني . قال الأخنس : حياك اللّه يا فتى ! قال لا ، واللّه ما أمي في البيث ، انطلقت إلى أم حنظلة تطحن دقيقا . فقال أبوه : « أساء سمعا فأساء جابة » : فأرسلها مثلا . ( 11 ) أي لا تعيش بسبب ثدييها وبما يغلان عليها من أجرة الإرضاع . يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس المكاسب . وذكروا أن أول من قاله الحارث بن سليل الأسدي ، وكان شيخا كبيرا ، وكان -