أحمد زكي صفوت
20
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
« إن عديا كان ممن أعين به الملك في نصحه ولبّه ، فأصابه ما لا بدّ منه ، وانقطعت مدّته ، وانقضى أجله ، ولم يصب به أحد أشدّ من مصيبتى ، وأمّا الملك فلم يكن ليفقد رجلا إلا جعل اللّه له منه خلفا ، لما عظّم اللّه من ملكه وشأنه ، وقد بلغ ابن له ليس بدونه ، رأيته يصلح لخدمة الملك فسرّحته إليه ، فإن رأى الملك أن يجعله مكان أبيه فليفعل ، وليصرف عمّه عن ذلك إلى عمل آخر » . فلما قدم الغلام على كسرى ، جعله مكان أبيه ، وصرف عمه إلى عمل آخر ، فكان هو الذي يلي المكاتبة عن الملك إلى ملوك العرب في أمورها ، وفي خواصّ أمور الملك . ( تاريخ الطبري 2 : 150 ، والأغانى 2 : 27 ) 7 - كتاب النعمان بن المنذر إلى كسرى وروى صاحب العقد الفريد أن النعمان بن المنذر قدم على كسرى ، وعنده وفود الروم والهند والصين ، فذكروا من ملوكهم وبلادهم ، فافتخر النعمان بالعرب وفضّلهم على جميع الأمم ، لا يستثنى فارس ولا غيرها ، فانبرى كسرى يعدّد مآثر الأمم ومفاخرها ، ثم تنقّص العرب ، وهجّن « 1 » أمرهم وامتهنهم ، فردّ عليه النعمان مفنّدا قوله ، مباهيا بمناقب العرب ومحاسنها . فلما رجع إلى الحيرة ، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى ، بعث إلى بعض وجوه العرب « 2 » ، فاقتصّ عليهم مقالات كسرى ، وما ردّ عليه ، وقال لهم : الرأي أن تسيروا بجماعتكم أيّها الرّهط ، وتنطلقوا إلى كسرى ، فإذا دخلتم فطق كل رجل منكم بما حضره ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدّثته نفسه ، ثم جهزّهم وكتب معهم كتابا وهو :
--> ( 1 ) هجنه : قبحه . ( 2 ) بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين . وإلى الحرث ابن عباد ، وقيس بن مسعود البكريين . وإلى خالد بن جعفر ، وعلقمة بن علاثة ، وعامر بن الطفيل العامريين . وإلى عمرو بن الشريد السلمى . وإلى عمرو بن معد يكرب الزبيدي . والحرث بن ظالم المرى . وقد أتيت على خطبهم ، وما رد به كسرى عليهم في كتابي « جمهرة خطب العرب ج 1 : ص 15 » .