أحمد زكي صفوت

13

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

« باسمك اللّهمّ « 1 » ، من عمرو بن هند إلى المكعبر . أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه ، وادفنه حيّا » . فقال لطرفة : ادفع إليه صحيفتك يقرؤها ، فقيها واللّه ما في صحيفتي ! فقال طرفة : كلا !

--> ( 1 ) كانت قريش قبل البعثة تكتب في أول كتبها « باسمك اللهم » . وقد روى الرواة في تعليل ذلك قصة سنوردها على علاتها ، وللقارئ حكمه عليها ، وهي : « ذكر جماعة من أهل المعرفة بأيام الناس ، وأخبار من سلف ، كابن دأب والهيثم بن عدي وأبى مخنف لوط بن يحيى ومحمد بن السائب الكلبي : أن السبب في كتابة قريش واستفتاحها في أوائل كتبها باسمك اللهم هو أن أمية بن أبي الصلت الثقفي خرج إلى الشام في نفر من ثقيف وقريش في عير لهم ، فلما قفلوا راجعين نزلوا منزلا واجتمعوا لعشائهم ، إذ أقبلت حية صغيرة حتى دنت منهم ، فحصبها بعضهم بحجر في وجهها فرجعت ، فشدوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم ، فلما برزوا عن المنزل أشرفت عليهم عجوز من كثيب رمل متوكئة على عصا لها ، فقالت : ما منعكم أن تطعموا رحيمة ، ( وفي رواية : رحيبة ، وفي أخرى : رجيمة ) الجارية اليتيمة التي جاءتكم عشية ؟ قالوا : ومن أنت ؛ قالت : أم العوام ، أرملت منذ أعوام ، أما ورب العباد ، لتفترقن في البلاد ثم ضربت بعصاها الأرض ، وأثارت بها الرمل ، وقالت : أطيلى إيابهم ، ونفرى ركابهم . فوثبت الإبل كأن على ذروة كل بعير منها شيطانا ، ما يملكون منها شيئا ، حتى افترقت في البوادي ، فجمعوها من آخر النهار إلى غدوة ، فلما أناخوا الرواحل طلعت عليهم العجوز وفعلت مثل فعلتها الأولى ، فتفرقت الإبل ، قحمعوها من غد فلما أناخوها ليرحلوها فعلت العجوز مثل فعلها في اليوم الأول والثاني ، فنفرت الإبل ، وأمسوا في ليلة مقمرة ويئسوا من ظهورهم ، فقالوا لأمية بن أبي الصلت : أين ما كنت تخبر نابه عن نفسك وعلمك ؟ فقال : اذهبوا أنتم في طلب الإبل ودعوني ، فتوجه إلى ذلك الكثيب الذي كانت تأتى منه العجوز حتى هبط من ثنيته الأخرى ، ثم صعد كثيبا آخر حتى هبط منه ، ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل ، فإذا رجل مضطجع معترض على بابها ، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية ، قال أمية : فلما وقفت عليه ، رفع رأسه إلى وقال : إنك لمتبوع ؟ قلت : أجل ! قال : فمن أين يأتيك صاحبك ؟ قلت : من أذني اليسرى ، قال : فبأي الثياب يأمرك ؟ قلت : بالسواد ، قال : هذا خطيب الجن ، كدت واللّه أن تكونه ولم تفعل ! إن صاحب النبوة يأتيه صاحبه من قبل أذنه اليمنى ، فيأمره بلباس البياض ، فما حاجتك ؟ فحدثته حديث العجوز ، فقال : صدقت ، وليست بصادقة ، وهي امرأة يهودية ، هلك زوجها منذ أعوام وإنها لن تزال تفعل بكم ذلك حتى تهلككم إن استطاعت ، قال أمية : قلت فما الحيلة ؟ قال : اجمعوا ظهوركم ، فإذا جاءتكم وفعلت ما كانت تفعل ، فقولوا لها : سبعا من فوق وسبعا من أسفل : باسمك اللهم » . فإنها لن تضركم ، فرجع أمية إلى أصحابه فأخبرهم بما قيل له ، وجاءتهم العجوز ففعلت كما كانت تفعل ، فقالوا : سبعا من فوق وسبعا من أسفل « باسمك اللهم » فلم تضرهم ، فلما رأت الإبل لا تتحرك قالت : قد علمكم صاحبكم ، ليبيضن اللّه أعلاه ، وليسودن أسفله ! وثاروا ، فلما أدركهم الصبح نظروا إلى أمية قد برص في عذاريه ورقبته وصدره واسود أسفله ، فلما قدموا مكة ذكروا هذا الحديث ، فكتبت قريش في أول كتبها « باسمك اللهم » . فكان أول ما كتبها أهل مكة ، وفي رواية : وكان أمية أول من كتب « باسمك اللهم » إلى أن جاء الإسلام فكتب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » . انظر مروج الذهب ج 1 : ص 42 . والأعانى ج 3 : ص 181 . وصبح الأعشى ج 6 : ص 217 .