أحمد زكي صفوت
94
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
فقال عبد الملك : أهو كذاك يا قمامة ؟ قال قمامة : نعم ، لقد أردت ختل « 1 » أمير المؤمنين ، فقال عبد الملك : وكيف لا يكذب علىّ من خلفي ، وهو يبهتنى في وجهي » ؟ فقال له الرشيد : « وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك ، وفساد نيتك ، ولو أردت أن أحتجّ عليك بحجّة لم أجد أعدل من هذين لك ، فبم تدفعهما عنك ؟ » ، فقال عبد الملك : « هو مأمور ، أو عاقّ مجبور ، فإن كان مأمورا : فمعذور ، وإن كان عاقّا : ففاجر كفور ، أخبر اللّه عزّ وجلّ بعداوته ، وحذّر منه بقوله : « إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ » ، فنهض الرشيد وهو يقول : « أمّا أمرك فقد وضح ، ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضى اللّه فيك ، فإنه الحكم بيني وبينك » ، فقال عبد الملك : « رضيت باللّه حكما ، وبأمير المؤمنين حاكما ، فإني أعلم أنه يؤثر كتاب اللّه على هواه وأمر اللّه على رضاه » . * * * فلما كان بعد ذلك جلس مجلسا آخر ، فسلّم لما دخل ، فلم يردّ عليه ، فقال عبد الملك : ليس هذا يوما أحتجّ فيه ، ولا أجاذب منازعا وخصما . قال : ولم ؟ قال : لأن أوّله جرى على غير السّنّة ، فأنا أخاف آخره ، قال : وما ذاك ؟ قال : لم تردّ علىّ السلام ، أنصف نصفة العوامّ ، قال : السلام عليكم اقتداء بالسنة ، وإيثارا للعدل ، واستعمالا للتحيّة ، ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر فقال : وهو يخاطب بكلامه عبد الملك : أريد حياته ويريد قتلى * عذيرك من خليلك من مراد ثم قال : « أما واللّه لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع « 2 » ، وعارضها « 3 » قد لمع ،
--> ( 1 ) ختله : خدعه . ( 2 ) الشؤبوب : الدفعة من المطر ، وهمع : سال وانصب . ( 3 ) العارض : السحاب المعترض في الأفق ، والضمير الفتنة المفهومة من سياق الحديث .