أحمد زكي صفوت

70

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

بهمّته ، وجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا ، والغرض الأدنى لقدمه موطئا ، فليس يقبل عملا ، ولا يتعدى أملا ، وهو رأس مواليك ، وأنصح بنى أبيك ، رجل قد غذّى بلطيف كرامتك ، ونبت في ظل دولتك ، ونشأ على قوائم أدبك ، فإن قلّدته أمرهم وحمّلته ثقلهم ، وأسندت إليه ثغرهم ، كان قفلا فتحه أمرك ، وبابا أغلقه نهيك . فجعل العدل عليه وعليهم أميرا ، والإنصاف بينه وبينهم حاكما ، وإذا أحكم المنصفة . وملك المعدلة ، فأعطاهم ما لهم ، وأخذ منهم ما عليهم ، غرس لك في الذي بين صدورهم وأسكن لك في السّويداء ، داخل قلوبهم ، طاعة راسخة العروق ، باسقة الفروع ، متماثلة في حواشي عوامّهم ، متمكنة من قلوب خواصّهم ، فلا يبقى فيهم ريب إلا نفوه ولا يلزمهم حقّ إلّا أدّوه ، وهذا أحدهما ، والآخر عود من غيضتك « 1 » ، ونبعة من أرومتك ، فتىّ السن ، كهل الحلم ، راجح العقل ، محمود الصّرامة ، مأمون الخلاف ، يجرّد فيهم سيفه ، ويبسط عليهم خيره ، بقدر ما يستحقون ، وعلى حسب ما يستوجبون وهو فلان أيها المهدى ، فسلّطه - أعزك اللّه - عليهم ، ووجّهه بالجيوش إليهم ، ولا تمنعك ضراعة « 2 » سنّه ، وحداثة مولده ، فإن الحلم والثقة مع الحداثة ، خير من الشك والجهل مع الكهولة ، وإنما أحداثكم أهل البيت فيما طبعكم اللّه عليه ، واختصكم به من مكارم الأخلاق ، ومحامد الفعال ، ومحاسن الأمور ، وصواب التدبير ، وصرامة الأنفس ، كفراخ عتاق الطير ، المحكمة لأخذ الصيد بلا تدريب ، والعارفة لوجوه النّفع بلا تأديب . فالحلم والعلم ، والعزم والحزم ، والجود والتّؤدة ، والرفق ، ثابت في صدوركم ، مزروع في قلوبكم ، مستحكم لكم ، متكامل عندكم بطبائع لازمة ، وغرائز ثابتة » .

--> ( 1 ) الغيضة : الأجمة ومجتمع الشجر في مغيض ماء . ( 2 ) المراد حداثة